بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» ذكرى وفاة الإمام رضي الله عنه
الجمعة 17 نوفمبر 2017 - 23:37 من طرف إلياس بلكا

» قصيدة النادرات العينية للشيخ عبدالكريم الجيلي
الأحد 12 نوفمبر 2017 - 8:51 من طرف فراج يعقوب

» ليتني كنت فلاحا
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 12:31 من طرف صالح الفطناسي

» سؤال لأهل المحبة و الصّفاء و الصّدق و النّوال
الإثنين 28 أغسطس 2017 - 17:20 من طرف صالح الفطناسي

» اللهم شد ازري
الأحد 27 أغسطس 2017 - 15:43 من طرف صالح الفطناسي

» منتدى رياض الواصلين
الأربعاء 9 أغسطس 2017 - 5:24 من طرف علي

» دعاء ليلة الزّواج
الأحد 6 أغسطس 2017 - 10:03 من طرف ابو اسامة

» أين اللقاء يا أهل الصفاء
الثلاثاء 2 مايو 2017 - 10:04 من طرف أبو أويس

» النخب العربية و عالم السياسة
الأحد 26 مارس 2017 - 22:59 من طرف علي

» الإسلام والإيمان والإحسان
الأحد 26 مارس 2017 - 9:48 من طرف أبو أويس

» خواطر
الأحد 26 مارس 2017 - 9:46 من طرف أبو أويس

» إلى والدي الحبيب رحمه الله تعالى
السبت 11 مارس 2017 - 0:42 من طرف علي

» الدقائق في تمييز علوم الحقائق
الأربعاء 1 مارس 2017 - 23:10 من طرف علي

» اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ ...
الأحد 26 فبراير 2017 - 4:18 من طرف علي

» بردة الفقير
الأربعاء 22 فبراير 2017 - 8:43 من طرف فراج يعقوب

منتدى
"هذا مذهب كلّه جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل. "
قال أحمد الخرّاز: " صحبت الصوفية ما صحبت فما وقع بيني وبينهم خلاف، قالوا: لماذا، قال: لأني كنت معهم على نفسي"
ديسمبر 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      

اليومية اليومية


في رحاب مولانا الإمام قدّس اللّه سرّه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في رحاب مولانا الإمام قدّس اللّه سرّه

مُساهمة من طرف احمد حدان في الإثنين 28 نوفمبر 2011 - 17:20

توطئــــــــــة
إنّ هذا ليس تأريخا لحياة مولانا الإمام قدّس سرّه ربّه، و نوّر ضريحه ومرقده، و إنّما هو محاولة منّي كأحد الحواريّين لقراءة أفكاره الصوفيّة، و رؤية فلسفته الرّوحيّة التّي يناط بها مصير الصّوفي و سيره نحو النّور .
فمن خلال كلماته الفاتحة التّي عبّر عنها هو بنفسه أثناء مذاكراته، ودروســــــه، و خطبه، و إرشاده، للمريدين و التّي ضمنها فكره العميق، أحاول تحقيق الغرض الذي أنعقد عليه عزمي بحول اللّه و عونه في هذه العجالة .
*-*-*

هو حديث الرّوح يبدأ، و يمضي، و ينتهي، و يعود مسترسلا في حديث واحد، متساوق، وموصول، أستلهم فيه الذكرى من أقواله، وما تنطوي عليه من نور وإشراق، و ما تطرحه من قضايا و اتجاهات، لأنّنا أمام شخصيّة معاصرة، فريدة الطّراز من التجربة الإنسانيّة في أعقاب هذا الزّمن :
تجربة مفعمة بروعة المعاناة، و عظمة الوسيلة، و جلال الغاية، ذلك لأنّ التجربة الرّوحية والسّلوكيّة التي شكلتها حياة شيخنا قدّس اللّه سرّه، ونوّر مرقده ليس لها من طراز سواها، لأنّ حظّه من الصّدق مع اللّه فريد، ولأنّه أكتسب من الثراء العلويّ ما لا يبدّد فاقة النفس سواه .
*-*-*

لقد كان أمره عجبا وهو يؤسّس في دأب رهيب أعظم، وأنقى، وأتقى، وأبقى مشاهد التّبتّل، والولاء للّه ربّ العالمين .
لقد كان يسوق النّاس سوقا إلى اللّه، بوصفه سبحانه أشرف الغايات التّي يجب على المريد أن يعيش لها .
لقد كابد، وجاهد رحمه اللّه : تعلّم العلم و علّمه، و بثّه في صدور الرّجال، وأضنى جسده في الذّكر و الصّلاة و النسك كافة ...
عاش حياة كلّها جدّ، و كدّ، و مثابرة، ورفع راية طريق القوم الذي آمن به عالية خفّاقة في وجه إغراء الحياة الزّائف. وكانت المعرفة الإلهية هيّ المعراج الذي تسنّمته روحه إلى روضات ذي الجلال و الإكرام في جنّات النّعيم .
أرجو أن يكون مثل هذا الجهد المتواضع حافزا لغيري ممن تتلمذوا على شيخنا، للكتابة عنه، و مزيد التعريف به، و بما حققه من سلام باطني في نفوس أتباعه ومريديه سنحافظ عليه إن شاء اللّه إلى أن نلقى الله تبارك و تعالى في اليوم الآخر . و أن إلى ربك المنتهى .

المكاشفة
نقول كما قال أحد الشعراء (وبتصرّف)
كما يلتقي الشّوق
شوق الصحارى العطاش
بشوق السّحاب السخيّ
كذلك كان لقائي بشيخي
قدّس تربتَه ربُّه
و جمّعنا الحبّ
***
كنت أحبّ السؤال
و كان يحبّ النّوال
و يعطي و يعطي فيبتلّ صخر الفؤاد
و يعطي .. و يعطي .. و يعطي ...
فتندى العروق .. و يلمع فيها اليقين ..
و يعطي .. و يعطي .. و يعطي ...
فيخضرّ غصني
و يعطي .. و يعطي
فيزهر نطقي و ظنّي
***
و يخلع عنّي ثيابي و يلبسني خرقة العارفين
يقول هو الحبّ، سرّ النّجاة
تعشق تفز.
و أفن بذات حبيبك
تصبح أنت المصلّي، و أنت الصلاة
و أنت الدّيانة، و الحُبُّ، و المسجد
***
أنت الحبيب
وأنت المحبُّ
و تشهد نور الالا ه
يعطر هذا الوجود
و يفنى سواه
***
تعشقتُ حتّى عشِقْتُ
عشقت حبيبي
تخيّلتُ حتّى رأيت
رأيت حبيبي. وأتحفني بكمال الجمال
جمال الكمال
و أسكرني من كؤوس الوصال
فصرت مرادا
فأتحفته بكمال المحبّة
و أفنيت نفسي فيه ...
***
ودام سروري
و ذكري و حبّي
لهذا الإلاه
***
حياتي موتي
و موتي حياتي
و جاء البقاء
عُقيب الفناء
***
تعرّفتَ فالزم ..
فهذا المُراد !
و طاب المُقام
بطول السرى
وطرح السوى
***
و أورثنا الأرض
أرض النفوس
و بوأنا منزلا في الجنان
و نجري خيول غرائمنا بالأمل
و خير العمل
لنوفي عهدا
ليومِ ألستُ
فنرجو الثبات
و حسن اللقاء
مع الأصفياء ... مع المخلَصين
مع الأولياء ... مع الأتقياء
مع الأنبياء .. رسل الإلاه ..
***
و أمّن قلبي و إخوان دربي و صحبي و حِبّي
فكان الصفاء و كان الهناء
و كان الوداد
و كان الدعاء
لهذا المربّي
شيخي و حِبّي
سألت الرضا
له عند ربّي

فقال تنعّم
وصلي و قربي
ألا يا رفاقي
بذاك " السبيل "
إليه فسيروا
أجيبوا النداء
وقولوا نلبي .. نلبي
وصرت فيما لا ينقال و لا يعبّر عنه بمقال

في حضرة اللّه القدسيّة
إنّ حضرة اللّه القدسيّة أكبر من أنّ يقف فيها إنسان عاديّ أما الإنسان النّوارنّي الذّي صفت نفسه و شفّت روحه وحسنت صلته بخالقه :
عقيدةً، و حقيقةً، و شريعةً
عبادةً، و معاملةً، و سلوكًا
فإنّه يكون قدسا من أقداس اللّه و قبسا من أقباسه تعالى
أحمد الصباحي عوض اللّه

أحباء اللّه

إنّ للّه عباد قطعوا علائق الشهوات، و أسرجوا مراكب الجدّ بصدق العزمات و امتطوا جياد الأمل، و اتجهوا إلى اللّه على وجل، و تزودوا إليه بصالح العمل، مع إخلاص النيّة وتوسّلوا إليه بصفاء القلب و صدق الطوية، فمروا بالخضرة الفاتنة مسبّحين، و بالحطب اللاهب مستعيذين ، و لم يعبئوا بالعقبات، و لم يلتفتوا إلى المغريات قد صانوا وجوههم عن الابتذال، و طهروا أقدامهم من الأوحال. استعانوا باللّه على مشقّة الطريق فذلّل لهم صعابه، و على بعد المدى فلملم لهم رحابه ، فلمّا اجتازوا الصعاب ، سألوا اللّه ففتح لهم بابه ، فلمّا دخلوه استضافوه فقربهم و رفع دونهم حجابه ، فلما استطابوا المقام بعد طول السرى قالوا : " الحمد للّه الذي صدقنا و عده ، و أورثنا الأرض نتبّوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين " أولئك أحبّاء اللّه ، صدقوه العهد فصدقهم الوعد ، و محضوه الحبّ فمنحهم القرب . مصطفى السباعي


في رحاب مولانا الإمام الشيخ : إسماعيل الهادفي قدّس اللّه سرّه
مدينة توزر تضمّ الكثير من مشاهد ، و مقابر أئمة الصّلاح و التّصوّف ، و العلم ، والتّقوى ، والأدب ، وهو ما تعرف به مدن الجريد جميعها و قراها :
سيّدي يحي الشارف المرداسي ، سيّدي حمد الغوث الفطناسي ، سيّدي بن غلاّب ، سيدي عليّ بن ميمون المغربي احد شيوخ الشيخ الأكبر سيدي محي الدين بن العربي الحاتمي ، جدنا سيّدي محمّد بن عبد الرّحيم ، سيّدي عبد الله الشقراطسي ، و ابنه محمد ، و سيّدي أبوالفضل النحويّ ، سيدي الغدامسي ، سيّدي عبد الرّحمان العقيلي ، سيدي عمّار الشابي ، سيّدي عبد الحق وغيرهم كثير و كثير ...
ابن الشباط ، ابن الكردبوس ، ابن يملول، ابو القاسم الشابي ...
و من أحدث هذه الرّياض، روضة الشيخ أسماعيل الهادفي ، الشيّخ المربّي ، والعالم العامل و الصّوفي الكامل الذي إخترت شخصيّته لأتحدّث عنها باعتباري أحد المريدين ، و أقرب المقرّبين لديه، و ممّن لزمه و تتلمذ عليه لأكثر من 30 سنة مضت. سافرت معه في سياحاته، وعمراته، و حجّه. هذا بالإضافة للقرابة الدموية التي تربطني به من جهة أمي حيث أن جدتي ووالدته أبناء خالات. أكتب عنه وكلي اعتراف بالجميل لهذا الرجل الصالح الذي أحب الله بكل ذرّة في كيانه، حتى تحوّل إلى قطرات متعبّدة تجري وأمضه في عروقه، وتحوّلت خفقات قلبه الكبير إلى أشواق رفّافة نحوالله جلّ وعزّ، وتحوّلت أنفاسه الضارعة الأوّاهة المبتهلة إلى مواجيد تحوم هائمة في أجواء العشق الإلاهي : يقول رضي الله عنه : " لا تطلبه من غير ذاتك فتضل بها عنه وأطلبه بها كي تهتدي بها إليه "
.
***

ما أن بدأت أكتب عنه حتى وجدتني أمتلئ إجلالا وهيبة له، كما كان شعوري به وعنده كلما جالسته أيام حياته.
لقد كنت استروح شذى الروحانية المنبث في ما سمعته من أقواله ، وأستعرض كل السنوات الخوالي المضيئة التي قضيتها معه، وما عايشته فيها من انصهاره في بوتقة الحب الإلاهي، وانشغاله به سبحانه عما سواه، لأعيش من جديد في مواجيده وأحاسيسه التي عشتها معه ولا أزال باعتباري تلميذه، ومريده، وابنه البكر كما كان يحلو له أن ينعتني. وقد كنت أمين سرّه، وكاتبه الخاص في ما يبعثه من مراسلات لمريديه من إخواتنا في طريق الله عزّ وجلّ، كما كنت صاحب مشورته في ما يحدث من أمور، ومقدّما على إخوتي الفقراء بتوزر. كما كنت عند البعض منشدا ومنظّرا للطريقة.
*-*-*

إن شريط حياة الشيخ يبدأ من مولده بتوزر يوم 28/05/1916 حيث حفظ القرآن، وحيث تلقى العلم في الفرع الزيتوني بجامع الفركوس بتوزر من سنة 1934 إلى 1938، حين أحرز على شهادة الأهلية ثم تحصل على شهادة التحصيل سنة 1945 ، ثم شهادة التدريس سنة 1946 وباشر مهنة التدريس بالفرع الزيتوني بجامع الفركوس بتوزر، ثم بمدنين ، ثم بمدرسة التكوين المهني بكستيليا توزر، ثم المعهد الثانوي بتوزر إلى موفى 1973 حيث تقاعد ، وتفرغ تماما للتربية والإرشاد والإمامة بصفته إماما خطيبا بجامع سيدي بن غلاب ثم بمدرسة الباي المعروفة حينئذ بجامع سيدي عبد الله بو جمرة وهي الزاوية الإسماعيلية اليوم وبها يدفن الشيخ المربّي أحمد بن سالم الهادفي، أحد شيوخ جدّنا سيدي يونس بن عبد الرحيم.
*-*-*

لقد ولد الشيخ رحمه الله في بيت لم يمد إليه الرغد أفياءه، ولم تدن إليه النعم قطوفها .. والده سيدي عثمان كان مقدما للطريقة التهامية لمولاي الطيب الوزاني .. أخوته سيدي أحمد وسيدي الحفناوي يحفظان القرآن ويعلمانه للناس وهما أئمة فقهاء. وله اختان عائشة ماتت نفساء وحسنية. رحمهم الله جميعا.
***

لقد عبّ شيخنا من منهل العلم والثقافة الدينية حتى ارتوى، كما عبّ من الأجواء الصوفية حتى الثمالة ، وأمضى طفولته وشبابه ينتقل للسكنى بالزاويا بتونس، ويقضي العطل الصيفية بدخلة المعاوين (الوطن القبلي) إلى أن سكن بالمدرسة المغربية بتونس العاصمة حيث كان له أول لقاء مع الشيخ العارف بالله سيدي محمد المداني القصيبي وذلك سنة 1938.
لقد كان الشيخ قدس الله سره، وهو يدرّس الحديث النبوي بالفرع الزيتوني بتوزر، يهدي النفوس الجامحة، ويرشد العقول الحيرى، ويحاول نشر الطريقة، فتنفذ كلماته الى القلوب لتمزّق ما ران عليها من حجب المعصية، حتى تتملى نور الحق، وتتذوق حلاوة الطاعة .. وكان ذلك شأنه وهو ينشر الطريقة بمدن الجريد وقراه وبالمناجم، داعيا إلى تنسّم عبير القرب من الله. وهكذا انتشر طريق القوم على يديه ليشمل كافة مدن الجمهورية، ثم بعض المدن الفرنسية والبلجيكية والإيطالية، ثم بعض البلدان العربية.
*-*-*

إن التفاصيل والأحداث تزدحم أمام ناظري ازدحاما لا يؤذن بانتهاء ، غير أني وإن كنت أذكر الكثير مما عايشته فيه، فإنني لا أؤرخ للوقائع والتفاصيل، وإنما أؤرخ للعظمة الإنسانية المستسكّنة في حياة شيخنا حتّى لا أزيغ عن نهجي المرسوم . و المهمّ عندي أن أصوغ رؤيتي للشيخ و الطّريق في شيئ أشبه باللّوحة الزّيتيّة يتألق عليها جوهر الشخصيّة، وحظّها المتفرّد من التّفوّق و الإقتدار. إنّي أريد أن أعبّر بكلّ تواضع عن الذّخر المفيض الذي يجده الميمّيون وجوههم صوب حواريّ التصوّف في الطّريقة الإسماعيليّة و رائدها : فمن عظمة نفسه رضي اللّه عنه ، و نبل شمائله تنداح رحاب لها أبعاد تتلألأ عليها عزمات و تضحيات عظائم وأمجاد . و ما أجمل الحديث عندما يكون موضوعه رجل من طراز شيخنا . و لكن ليس من حقي أن أطيل و قفتكم على ألباب ، فلتتفضلوا إذا معي إلى رحاب الإمام . وليقبلنا هو ضيوفا على سيرته المضيئة، و ضيوفا على رحابه المضيء الوارف الظّلال.
*-*-*

لقد كان لقاؤه بشيخه سيّدي محمّد المداني قدّس اللّه سرّهما لحظة مباركة حوّلته من حال إلى حال ، و من شأن الى شأن ، فأخرجت الوجود الحسّي من قلبه ليصبح قلبه مشرق الأنوار و مهبط الأسرار و منزل البركات، وليكون أوّل وارداته الرّحمانية سنة 1955 " مرآة الذّاكرين في مناجاة ربّ العالمين " أيّ لمحة سماويّة و أيّ نفحة ربّانيّة جعلته ينظم شعرا ؟
1- عطفا عليّا يا شيخي
2- إمامي و ذخري عند كلّ ملمّة
3- بهمّتك العلياء
4- وقوفي بباب الفضل
كلّها قصائد ومتون ومناجاة ، وحبّ في اللّه وهيام به كسائر الصّالحين الذين أسكرتهم كأس الحبّ الإلاهي و ذابوا في حرارة الوجد والهيام .
إنّها اللّمحة التّي يضيئ اللّه بها قلب عبده فيرى الدّنيا ضئيلة لا تساوي جناح بعوضة بل كهباءة في الهواء، أقل من حلقة في فلاة، أقل من شروى نقير، وهكذا ومن خلال التّبتّل وذكر اللّه ، و ذكر الإسم الأعظم بمراحله المتعدّدة وبفضل اللّه بلغ مولانا الإمام قدّس اللّه سرّه ونوّر ضريحه ومرقده إلى مقام روحيّ صعد به إلى أعلى مكان من الصّفاء النّفسيّ، والسكينة القلبيّة، فلم ير إلاّ جلال اللّه في نومه و يقظته ، ولم يشهد إلاّ إرادة اللّه في حلّه وترحاله ، ولم يتذوّق إلاّ حبّ اللّه في ليله ونهاره . وقد عبّر عن ذلك في كلمات ناصعة مضيئة :
" إنّ المحبّة كأس لها وهج يهذّب الحواس و يسكر النّفوس و إن أجل ما أوصيكم به هو مراقبة اللّه في القول، والعمل وملازمة الحضور معه، حتّى تكونوا لشهود جماله أهلا و يؤتكم من لدنه أجرا و فضلا ".
لقد كان شيخنا ، في شجرة الصّالحين ، في الطريقة الشاذليّة الدرقاوية، العلوية، المدنية الإسماعيلية، كالغصن الباسق تشرئب إليه الأعناق ، و تشخص له الأبصار حبّا في النظر إليه، والإستفادة من توجيهاته. وكان صاحب شخصيّة فذّة. الكلّ يحبّها ، و يهابها، و يحترمها، لا لمكانته العلميّة فحسب ، بل قبل ذلك لأنّه صاحب الإرث المحمّدي وهو نبراس الأولياء عندنا ولما يحمله من نفس كريمة فاضلة بهرت النّاس بقوّتها واستقامتها، شموخها في محبّة اللّه.
*-*-*

لقد كانت مجالسه كلّها علم و حكمة و معرفة : " خلاصة ما أنصحكم به هو أن يكون باطنكم مع الحقّ حقيقة، وظاهركم مع الخلق شريعة، وأن تستغرقوا في الأنوار الجبروتيّة، و تلازموا صفاء القدم ... و ليكن حالكم ساعة في أنوار القدم و ساعة في شهود مظاهر العالم حتّى يضمحلّ السّوى تماما ولا يبقى له على القلب سبيل، فلتكونوا به فيه ومنه وإليه وبذلك تضمنون لأنفسكم الرّسوخ والدّوام".
*-*-*

أمّا عن شفافيته وآختراقه الحجب، ورؤيته المكنون ممّا وراء حجب الأبديّة، ونفاذه إلى الأسرار المخبوءة في الصّدور، فكلّ من تتلمذ على يده يعرف ذلك منه، ولكلّ مريد صادق و قائع محدّدة في ذلك.
*-*-*

كان يوصي دائما بالعمل بالشرع المقدس و تقوى اللّه في السّر و العلانية .
يقول رضي اللّه عنه
" لتكن مسيرتكم مطابقة للشريعة أمرا و نهيا، تقفون مع حدود اللّه ، تقيمون الفرائض، وتأتون الواجبات، وتتعاملون مع الخلق معاملة شرعيّة. وبقدر ما تتمسّكون بالشريعة بظاهركم، بقدر ما تصفو أنواركم، ويطرد سيركم، وتكونوا دائما في زيادة، وفي أستنارة. تلك حدود اللّه فلا تعتدوها و من يتعدّى حدود اللّه فقد ظلم نفسه " .
و كان يوصي بشكر النّعم ، و شكرها كما يقول قدّس اللّه سرّه " هو صرفها فيما خلقت من أجله ".
لأنّ من لم يعرف قدر النعم سلبت منه من حيث لا يشعر :
يقول " أحرصوا على أن تقيّدوا نعمه سبحانه بالشكر. و يتمثّل ذلك بالنّسبة للجوارح في إقامة العبوديّة. وبالنّسبة للقلوب في عدم تصوّر السّوى و الغيريّة ".
*-*-*

و خليق بنا و نحن في رحاب محراب كلماته المضيئة ان ندخل في غبطة وإجلال، وأن نقف مليّا أمام سيرة حياته النّاصعة السّاطعة بالنّور، لنتملّى سجاياه النّادرة، و مزاياه الباهرة. وقد كان رحمه اللّه و أسكنه حضيرة القدس منذ بدايته في الطريق تتمثل فيه سيمات النجابة، وتتراءى فيه صور الطّموح، و تتألّق فيه مخايل النّبل وكيف لا و قد أنبته اللّه نباتا حسنا وأعطاه شفافيّة وضّاءة منذ نعومة أظفاره .
*-*-*

لقد كان شيخنا ربّانيّا. وإذا رفع يديه إلى السّماء فتّحت أبوابها، و إذا همس بدعاء إستجاب اللّه إلى ما يطلب، حيث ارتفعت عن قلبه الحجب، و أنكشفت عن بصيرته السّتائر، واستضاء كيانه كلّه بمشاعل إلاهيّة أطلعته على الأسرار الكونية، فأستشف في عديد المناسبات ما عجزنا نحن الذين من حوله عن رؤيته، مصداقا للحديث النبوي الذي يقول فيه رسول اللّه : صلى اللّه عليه و سلّم : ( أتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه ). وإنّ للكلمات التّي تنفرج عنها شفتاه لمذاقا فريدا. فالتعبير العجيب للفكرة، والجمال المتأنّق في الصّياغة، هما السّمة المميّزة لحديثه و دروسه و مذاكراته : " المعرفة هي غاية الغايات و هدف الرّجال الكمّل من ذوي النهايات فلتكونوا به فيه على كلّ حال و منه و إليه في كلّ مجال، حتّى لا يكوننّ بكم ولكم إلاّ ما هو له وبه، وذلك ما يقتضيه الإستغراق في أحديّة الخلاّق ".
وإنّ من وراء المذاكرات التي ينثرها على مسامعنا تباعا في تركيز باهر ، فيضا من الحكمة المعمّقة ، والتجربة الفريدة. وإنّ شيخنا قدّس اللّه سره كبقيّة رجال التّصوّف رضي اللّه عنهم أجمعين تواتيهم الحكمة في أكثر أساليبها إشراقا و سلاسة و ألقا، وهم اللّذين لم يعنوا برعاية هذا النوع من الموهبة، بل كانت عباراتهم الحلوة الآسرة تسبق إلى لسان أحدهم عفو الخاطر دون زهو ولا إفتتان. و يعجب النّاس من غير الفقراء عندنا كيف تنبثق الحكمة من فؤاد شيخنا على لسانه. لكنّنا ندرك السرّ حين نفهم أنّه مثل غيره من رجال التّصوّف إلاسلامي ينهل من النّبع الفذ الذي لا يغيض. حيث تتدفّق عطايا ربّنا و هباته، سبحانه يؤتي الحكمة من يشــــــــــــاء .
*-*-*

لقد أتيح لي أكثر من غيري من الأتباع أن أجالس شيخي و أصحبه في سياحاته و ذلك منذ فترة مبكّرة من حياتي ، و لطالما بهرتني ولا تزال عبارات الأستاذ و كلماته في رسائله ، و دروسه ، و خطبه ، و أحاديثه التّي كانت و سيلته لأبلاغ الصدق و تبيان الحقيقة ، و نشر الطّريقة على الرّغم ممّا حيك له من دسائس ومؤامرات اللّه وحده يشهد أنّه بريء منها وعلى الرغم مما عاناه في أخريات أيامه من سقم و جهد .
و يزيد كلماته تلك جلالة و قداسة أنّها كانت التّعبير الأمين الصّادق عن حياته اليوميّة ومسلكه في الحياة :
- كان قلبه من النّقاء و التّبتّل، والإستغراق في بحر صفاء القدم، بحيث يرى الحقّ كضوء النهار المشرق .
- كانت لعزيمته من الصّلابة، والمقدرة والمثابرة ما يمكّنه من تحمّل تبعات الطّريق في عزم الرّاشدين. ولقد كانت مذاكراته التّي تحكى تجربته الشخصيّة للناس قواطع ماضيات، كالسيوف النّقيّة المرهفة تزيل الورم المستشري في عقول بعض الأشخاص و يطيب لي و أنا أقترب بالقارئ من سدّة رحابه في وجل المتطفّل و رحاب المتوسّل ، أن نعيش معا و من خلال ما سأقدّمه في الصفحات الموالية ، في لحظات يضمخها عبير ذكره و ذكراه ، بين تراثه العريق وحكمته الهادية للقلوب. راجيا أن أقتبس من نوره ومن بركاته ما يفيدنا دنيا واخرى. إلتحق رضي اللّه عنه بالرّفيق الأعلى يوم 11 ماي 1994 في حادث مرور أليم عند مدخل مدينة قفصة، يوم رجوعه من مدينة سيدي بوزيد حيث كان يعالج، وقد صعدت روحه الطّيّبة بالمستشفى الجهوي بصفاقس " قسم القلب " لترتقي إلى منازل الرّضوان حيث خصّص اللّه لها مقعد صدق عند مليك مقتدر .

بقلم أحمد كمال حدان - توزر.
avatar
احمد حدان

ذكر عدد الرسائل : 11
العمر : 71
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في رحاب مولانا الإمام قدّس اللّه سرّه

مُساهمة من طرف محب الآل والصحابة في الإثنين 28 نوفمبر 2011 - 20:48

يعجز القلم عن التعبير و التعليق على هذا الموضوع الذي يتناول سيرة حبيب القلوب النورانية و شخصيته الربانية و خصاله المحمدية..قدس الله روحه و سره و جمعنا الله به في أعلى عليين إن شاء الله.

متابعين سيدي الفاضل صفي شيخنا أحمد بارك الله فيكم و لكم.
avatar
محب الآل والصحابة

ذكر عدد الرسائل : 232
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 20/10/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

حديث من الأعماق

مُساهمة من طرف ابو اسامة في الثلاثاء 29 نوفمبر 2011 - 11:43

بسم الله والحمد لله
والصّلاة والسّلام على رسول الله
سيرة مولانا الأستاذ قذّس الله سرّه ورضي عنه تُغني عن كلّ تعريف ولقد أطنبتَ وأحسنتَ العبارة والوصف وذالك دليل على المعرفة بسيرته رضي الله تعالى عنه وقد بيّنتَ للجميع بيانات لم تُذكر من قبل وزادتنا شوقًا واشتياق وأكثر تمسّكًا بحبل الميثاق، ومن خلال ما قدّمتكم من تنويه بالسّيرة المنيفة أوضحتم للقاري الكريم وللمحبّ والمتّبع دليل ومنهج لإتمام المسيرة ..يقول مولانا الإمام قدّس الله سرّه ورضي عنه في عديد من المناسبات في الإحتفال بالمولد الشريف قولته المشهورة..
( ليس الشأن أن نقرأ السّيرة وإنّما الشأن أن نتّبع المسيرة ) إنّ الإتّباع شرطٌ من شروط الطّريق وقد ذكرتم بارك الله فيكم جديّة التّمسّك بالعمل بالعلم والتّضحية من أجل الطّريق بالغالي والنّفيس حتّى وافاه الأجل المحتوم.
وألاحظ هنا كيف حال وضع الزّاويّة الأم بتوزر؟ فكم من الإخوان الزّائرين يجدونها مُغلقة ويكتفوا بالتّحيّة من وراء القُضبان في حين أنّ كافة الزّوايا في جميع أقطار المعمورة لا يُوَصَدُ لها باب فأين المحبّة وأين روح الإنتصار لتعاليمه رضي الله عنه.
ومن خلال هذة التّرجمة الشّيّقة والمُستنيرة النّابعة من كلّ صدق ومحبّة وذوق نتمنّى أن ننسج على منوالها سيرنا ونتّبع سبيل من أناب.
بارك الله فيك أخي وسيدي أحمد حدّان على الإضافة الممتازة والمُميّزة ومن خلالها نرجو كذالك معالجة موضوع الزّيارات والتّزاور بين الفقراء بعضهم لبعض في كلّ مكان وزمان ..وكونوا عباد الله إخوانًا.
شكرا لكم مع تحيّات
العبد الضعبف الفاني والمُسيء الجاني أبـــوأســـامــة
avatar
ابو اسامة

ذكر عدد الرسائل : 508
العمر : 67
الموقع : الرّديف
العمل/الترفيه : متقاعد cpg
المزاج : عادي
تاريخ التسجيل : 21/02/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى