بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
»  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ...
أمس في 21:42 من طرف الشاذلي الحموي

» هل للشيخ إسماعيل الهادفي كتب منشورة؟
أمس في 15:24 من طرف صالح الفطناسي

» الأفراد
الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 22:13 من طرف محمد حنان

»  إمامة التقوى وإمامة العلم
الأحد 4 نوفمبر 2018 - 20:51 من طرف محب العارفين

»  سياحة الخيال في تيه الجمال
السبت 3 نوفمبر 2018 - 2:42 من طرف علي

» شكاية
الأحد 28 أكتوبر 2018 - 22:14 من طرف Dalia Slah

» هل هناك من الأعضاء من تعذر عليه دخول المنتدى ؟
الأحد 28 أكتوبر 2018 - 22:09 من طرف Dalia Slah

» حديث الرويبضة
الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 9:13 من طرف عبدالله حرزالله

» سيكون بأسهم بينهم شديد
الأربعاء 17 أكتوبر 2018 - 18:36 من طرف عبدالله حرزالله

» تمييز فيوضات وواردات أهل الله شعرا ونثرا عن غيرها
الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 - 11:57 من طرف علي

» " حقيقة التصوف " من مذاكرات سيدي فتحي السلامي
الأحد 14 أكتوبر 2018 - 23:01 من طرف بلقيس

» من مهمات الطريق مراقبة الحق
السبت 13 أكتوبر 2018 - 4:28 من طرف عبدالله حرزالله

» مفاسد المناظرات الدينية التلفزيونية
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 12:20 من طرف الشاذلي الحموي

» فوائد ذكر الله سبحانه وتعالى
الخميس 11 أكتوبر 2018 - 23:16 من طرف محمد صلاح

» المحاسن البهية في معرفة أقدار السادة الصوفية
الإثنين 8 أكتوبر 2018 - 11:42 من طرف عبدالعزيز الرفاعي

منتدى
"هذا مذهب كلّه جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل. "
قال أحمد الخرّاز: " صحبت الصوفية ما صحبت فما وقع بيني وبينهم خلاف، قالوا: لماذا، قال: لأني كنت معهم على نفسي"
نوفمبر 2018
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 

اليومية اليومية


شعر الحب الصوفى

اذهب الى الأسفل

شعر الحب الصوفى

مُساهمة من طرف ابو ضياء في الجمعة 21 نوفمبر 2014 - 19:55

                                                           بسم الله والصلاة والسلام على سيدى رسول الله




                                                                          شعر الحب الصوفى
                                                                       بقلم الأستاذ واصف باقى 

 الشعر لغة : الوجدان الإنساني ولؤلؤة الفكر الساطع ومنبع القلب المنير .
والشعر الصوفي فيض من رب الأرض والسماء على أوليائه بمعارف القرب والإيحاء ، إذ تجلى على قلوبهم بصفاته وأسمائه فأسفر لهم الحقائق بجميل آلائه ومخبآت نعمائه .. وفيوض أنواره وأسراره ..
والشعر الروحي .. درٌّ نضير ، يستاف الورد والعبير ، فيعطي للحياة رمزاً ، ومن الرقائق كنزاً ، ومن المواجيد رياضاً وحدائق غنّاء ، ومن العبارات غدراناً متدفّقة ، ومن الإشارات أساليب مشرقة ومن الحِكَم ثماراً وأزهاراً .. كروعة الكَلِم البديع في فصل الربيع ، فينسجُ من الأفكار ما يجري من تحتها الأنهار يرتشفها مُداماً ومنهَلاً عذباً للواردين ، مثلَ نسَمات الأسحار ، فتأتي اللطائف والأشواق بمذاقات قدسية عُليا تجول بطيب الأنفاس وروعة الأحوال في جنبات هذا الكون العظيم ...
ولا يوجد شيء ، من جوهر ولا عرض ، ولا صفة في هذا الوجود الحادث إلا وهو مستند إلى حقيقة إلهية من حيث نسبتُها إلى موجد الوجود القديم سبحانه وتعالى ، ولولا ذلك لما صحّ لها أن تظهر ؛ ومن ذلك ظاهرة الحب في هذه الدنيا .. فإنه على اختلاف مراتبه وتجلياته يستند إلى حقيقة الحب الإلهي ، الذي هو أصل وجود الحب في العالم .
ولكن لما طال الأمد ، وتغيرت النفوس ، مع الزمن ، وقست القلوب ثم اختلطت المفاهيم ، وتعقدت الأمور ، وتسطحت الأشياء ، وأضحى الفكر بلا جدوى ، وأصبحت القيم لا معنى لها ، وتهمّشت المثاليات ، وتهشم المعنى الحقيقي للحب ، واضطربت مفاهيمه فضاعت الموازين فلم نعد ندرك ما هو الحب الحقيقي ، وما هو الحب الوهمي وحب المصلحة والمنافع الآنية ، فغابت الحقائق في زحمة الحياة.
... هلا سمعنا التنزيل الحكيم ، " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبّونه " وقول رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه " المرء مع من أحب " ، وفي الحديث القدسي : " لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبَه " ورحم الله الإمام أبا حامد الغزالي الذي نقلتُ عنه هذه العبارة الرائعة : " إذا قيل لك أتحب اللهَ ورسولَه .. فاسكتْ ، فإنك إن قلت لا أخطأت خِطْئاً كبيراً ، وإن قلتَ نعم ، فيسألك الأولياء عن الدليل .. " .
وقد رأيت محي الدين ابن عربي من أفضل من تطرّق لهذا المضمار : الحب عموماً ، والمحبةُ الإلهية خصوصاً ، فأحسستُ أنه كلام محب صادق فتحَ الله عليه بالعبارة ، وجعل البيانَ طوعَ بنانه إذ يقول فيما يقول : " حمداً لرب العزّة وقد جعل الهوى حرَماً تحجّ إليه قلوبُ الأدباء ، وكعبةً تطوف بها أسرار ألباب الظرفاء ، فجعل الفراق أمرَّ كأس تذاق وجعل التلاقي عذبَ الجَنى ، والوصالَ طيّب المذاق .. تجلى اسمه الجميل سبحانه فاندهشت الألباب ، فغرقت في بحر حبّه وفتحَ من دونها الباب فدعاها الاشتياق بمنازح الأشواق ، لتتوجه إليه عشقاً، وتذوبَ فيه شوقاً ، فيشتدُّ أنينُها ، ويطولُ حنينها ، لتجرعَ كأسَ المدُام ولم تخشَ الفناء ومصارعَ الهلاك والفناء بل نادت يا جميل يا مِحسان .. يا من قال : " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان .. " يا من تيّمني بحبه ، وهيّمني بين بعده وقربه فليتني أتحقق .. أرنو لمشارف الحقيقة لتنعم العين والفؤاد ..."
رحم الله الشيخ الأكبر ، فما أروع هذه العبارات وهو يرشح لنا الحب الروحي والغزل الصوفي ، فرحم الله امرءاً علّمنا هذا الكون من الحب المثالي ، ودلّنا على من يعلمُنا الحب. الحب في كل كتاباته لنَغدَّ السيرَ نحو دروب الحب الإلهي العظيم من فيض المواهب ، وأروع المكاسب من فيوضات العناية الربانية ، ومذاقاتِ البوح والتجليات مع ما فيها من إشراقات وأسرار وأنوار ، وجمالٍ وإحسان .
وقد ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "  إن الله جميل يحب الجمال " فمرحى للمحبين بهذه البشرى ، إذ ما أجملنا ونحن نحبه ، لأن المحب لا يرى محبوبه إلا أجمل العالم في عينيه ، فما أحبّ إلا ما هو عنده قمة الجمال ، ولا شك أن الجمال محبوب لذاته ، وهو تعالى صانعُ هذا الكون الذي نحياه ، أوجده على صورته ، وهو جل شأنه " الجميل " ولِمَ لا .. فالدنيا كلها في غاية الحسن والإبداع والجمال ، فليس في الإمكان أجمل من هذا العالم ولا أكمل ، ولا أحكم .. فلو نقص منه شيء لنزل عن درجة كمال خلْقِه .. فكان قبيحاً ..
ولذلك انعكس الجمال في الصور فوقع الهيام والعشق عند العارفين فأوْرَتْ عندهم الفناء عند المشاهدة لهذا العالم لأنه يعكس لهم مرآةَ الحقيقة ..
ولذا انطلق ابن عربي ليُطلقَ عنان الخيال لمشاهداته الغزلية اللطيفة :
ما لمجنون عامر فـي هـواه          غيـر شكوى البعاد والاغتراب ِ
وأنا ضـدّه .. فإن حبـيبـي         في خيالي .. فلم أزلْ في اقترابِ
فحبيبي مني ، وفيّ ،  وعندي           فلمـاذا أقـول مـا بي وما بي
فالله تعالى هو المحبوب في تجلّي سُبُحاتِه ، فهو لا تدركه الأبصار .. هنا لكن هناك : "  وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة .. " فالحب الإلهي كما عرّفه شيخ حلب السيد محمد النبهان طيب الله ثراه : " هو حب الله للعبد ، وحب هذا العبد لربه جل شأنه لقوله : " يحبهم ويحبونه " ".
وحبه لنا قد منحنا ما يؤدي إلى إسعادنا وما يوافق أغراضنا ويلائم طباعنا البشرية
يرى ابن الخطيب أن منازع الحب الإلهي بسبحاته العُلْوية ، يجعل منه داعيَ حكمةٍ وهداية وحميميةٍ وغفرانٍ وسعادة الداريْن ..
.. وهذا ما نعني به بالحب الصوفي الذي يثير في النفس الخواطر والمشاعر ويوحي بأفياءَ وظلالَ نورانية ، يسكُبها في الوجدان ، وهذا ما عهدناه في (إحياء) الغزالي ومدارج السالكين لابن القيّم .. رضي الله عنهما .
ففيها نصوصٌ تحتاج إلى التأمل لما تعكسه من التسامي والعروج نحو العلاء ، وبما تخلّفه في زوايا النفس من سكينة وصفاء وآفاق ، وتألق الروح ، وهذا ما دفع شعراء التصوف إلى النظم بلغة شفافة تجذب صاحبها من دنيا الناس على عوالم ساحرة بالحكمة والطرب والهناء ، وسلامة القلب ونقاء الباطن ، وجلاء السريرة واغاريب الحب مما يتمم مكارم الأخلاق ويوجه الإنسان إلى المقام الأسمى نحو الشفافية والاستقامة والسلوك الرفيع ، والرشاد والفلاح ، والسمو نحو مدارج الإنسانية الراقية ، لتحقيق أفضل القربات وأنبل الغايات ، كل ذلك بفطرة الحب التي فطر الناس عليها . فتتألق الأفئدة والأبدان والأذهان بعشق الرحمن .
وإذا حلّقنا في أجواء الشعر الصوفي ، على نذرته ، لوجدناه يقترب من تلك العوالم الشيقة الفيّاضة ، إذ أن إلهاماتها ليست وليدة عاطفةٍ غيبية فحسب ، بل إن معالم هذا الشعر الروحي الرمزي الرقيق هي وليدة معرفة ذوقية أيضاً ..
حيث تألق هذا اللون من الشعر في العصرين الأموي والعباسي بعد تطور الحياة الروحية في الإسلام .
إذن فالشعر الصوفي ليس وليد عاطفة دينية مجردة ، بل هو نتاج مراحل معرفية، وتجليات ذوقية بحتة ، مرّ بها الشاعر عبر تطورات معينة ، يلتقطها بقلمه الساحر العفوي التلقائي ، بَيْد أنه لا يصورها كما يحدث في المسائل الفكرية والنظريات الفلسفية ، والقواعد المنطقية وإنما يعبّر عما يختلج في نفسه ، ويضطرب في قلبه، وجوانحه من خلجاتٍ ومشاعر غير مألوفة ، إذ يصوغها بقالب فني مبهر نعم .. لمست فيه غلياناً يفور في أعماق ذاته ، حيث يرى في داخله ما لا يُرى .. بهدوء ونقاء رتيب عجيب ، ولسان حاله يموج ويهدر
.. " موسيقا الصمت ، وقد أغمضت ، وعقلي في قلبي انصهرا ..
.. وخيالٌ .. جاوز طاقته .. وامتدّ فأبصر ما استترا ..
.. وسرحتُ .. مع الأفلاك .. مع الأملاك .. أرى ما ليس يُرى .. سبحاتٌ .. فاقت شاعرها .. لم تُقصد .. بل كانت قدراً .. غيبوبة عشق في ملكوت جمال الله .. وما فطرا .. "
كيف نترجم هذه الحالة الشعرية .. لا أدري ..! لكنني أقول إنه فنان رقيق يفنى في الحب ، يحسّه في جُوّانيته فيجعل من الشعر أداة للتعبير عن أحواله ومواجيده..
ويبتكر كلمات موحية حداثية ، يصبّها في معانٍ ذات بُعدٍ جمالي فنجد ـ فعلاً ـ أنه شاعر وجداني ورمزي في آن واحد لأنه يستمد عناصر فنه من القلب وما يوحي به من رؤى ومثاليات سداها ولحمتها الحب ، الحب الذي ينشد الجمال المطلق ، الجمال المتجسّد وبل والقائم ضمن طيات الفلسفة العليا وضروبها وآفاقها اللامتناهية كما جاءت في الأفلاطونية الجديدة ، وهذا النوع من الحب المثالي تحد عنه ابن سينا في الرسالة التي أسماها " العشق " وكذلك السراج الطوسي .
وقد تطرّق هؤلاء الفلاسفة إلى الحب ، فجعلوا منه النور الذي يُستضاء به ، والسر الذي نتكئ عليه ، والمشعل الذي يسير الصوفي على هداه ليؤكدوا " أن الحب هو طريق الوصول إلى الله " وكما ذهب الحلاج بأن " ذات الله العليا تتمثل  في الحب " وهذا يعني أن غاية الحب القصوى هي الاتصال بالله ، مما يمهد الطريق للمعارف والإشراقات والفتوحات ، وتلازم الأقوال مع الأفعال لنشدان الحب الإلهي وذلك بوساطة أشياء هي قمة السلوك البشري الرفيع ، كالتوبة والإنابة والورع والزهد ، والتوكل والرضى .. وما إلى ذلك ، مما يدعو إلى التحرر من صرخة الجسد وطغيان الرغبات الحسية ، بالترفع إلى المعاني الراقية والمراتب الذوقية التي تنأى في كل الأحوال عن شؤون المعرفة العقلية ، حيث الذوقُ والكشفُ وميلُ القلب إلى الله وليس لسواه ، فيطيب عيشه ، لأنه في حضور مع المحبوب الذي لا يشهد سواه من مطلوب ومبتغى وهدف ؛ كما يقول أبو عبد الله القرشي :" حقيقة المحبة أن تهب كلَّك لمن أحببت فلا يبقى منك شيء ، وتزداد حباً وتيتّماً وولها " ..
الحب الصوفي فناء مطلق ، يجعل من الحب والمحبوب كُلاً موحِّداً .. حيث لا وَجْدَ يبعث الألم في نفس الصوفي ، لأن الوجد في عُرف القوم المتصوّفة هو " بشارات الحق بالترقي إلى مقامات الشهود والمشاهدة ، وهو المنشود ، كما يعبّر أحدهم :
الوجد يطرب في الوجدان راحته   والوجد عند حضــور الحق منشود
قد كان يطربني وجدي فأشغلني      عن رؤية الوجد في الموجود موجود
.. إن هذا الحب الروحي ، المثالي ، المجرد عن رغبة الجسد ، ونزوة الغريزة ، يجعل من صاحبه في حالة اندغام تام (أي اندماج ) وهنا تتألق النزعة الوجدانية الصافية في شعر الحب الصوفي .
هذه الحالة الشعورية ، تجعل من أنا ، أنت .. وينتهي بها المطاف إلى مرتبة الفناء، وهذا ما تستدعيه الحركة الشعرية الصوفية بكل رموزها وظلالها وألوانها وإيحاءاتها ، وتعبيراتها الغيبية عن الوجود الذاتي في علم الباطن لا الظاهر ، وهذا ما لا نستطيع إدراكه لأنه محصور ضمن فلك الأسرار الإلهية العليا ، وموحياتها العظمى ، فقد سئل النبي صلوات الله وسلامه عليه عن علم الباطن هذا فقال : " هو سرٌّ من أسراري ، أجعله في قلب عبدي ، لا يقف عليه أحدٌ من خلقي"
وهذا ما يتوقف عند محطة من اختصّهم الله برحمته من العارفين والمقرّبين والأولياء ، الذين أشار إليهم هذا الحديث النبوي ، حيث روي عن سيدنا سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من العلم كهيئة المكنون ، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله "
ومثل هذا الأمر يستدعي إحاطة المعرفة بالأسرار حتى تظل محتفظة بصفة القداسة من ناحية ، وحتى تكون محاطة بخصوصيتها وقداستها من جهة أخرى ، ولكي تصبح فوق متناول الذين لا يفقهون فكرتها ولا يدركون غايتها أيضاً ..
ونحن نرى أن هذا الحرص على طبيعة المعرفة الصوفية ، ودقائق مفهوماتها ، ورقائق تصوّراتها هو الذي أبدع الرمز في التصوف الإسلامي .
وأعلام التصوف يسمّيهم " الشعراني " بالعلماء الأكابر ، إذ ليس لغيرهم من فن التصوف إلا المعنى الظاهر . فالصوفيون أدخلوا ألفاظاً ومصطلحات لم يعرفها سواهم إلا ما ندر من أهل زمانهم على مرّ العصور ، إذ ليس في مستطاع أهل المعرفة إيصال شعورهم ومذاقاتهم إلى غيرهم ، وهذه المصطلحات الخاصة بالتصوف أو ذات الخصوصية بالقوم هؤلاء ، إنما قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم .. وعلى طريقتهم لتكون مستغلقه عمّن سواهم غيرة منهم لأسرارهم أن تشيع في غير أهلها وما غاب عن شعراء التصوف أن يشيروا إلى أهمية الرمز في أشعارهم ، حيث قال الـشبلي :
علم التصوف علم لا  نفاد لـه        علـم سنـي سماوي ربـوبي
فيه الفوائد للأرباب يـعرفـها      أهل الجزالة والعلم الخصوصي
وقال آخر موحياً للرمز والإشارة في النهج الصوفي :
إذا أهل العبـارة  ساءلـونا           أجبـناهم بإعـلام الإشـاره
نشير بها فنجعلـها غموضاً            تقصـر عنه ترجمة العباره
ولا يغرب عن البال أن ننوه عن الرمز الصوفي والحالة هذه ليس غاية فنية ، وإنما هو وسيلة تعبيرية إذ يختلف عن الطريقة الرمزية الشعرية التي تنشد الموسيقية ولا تحفل بالفكرة والمظهر فضلاً عن اعتبارات أخرى نجمت عن تقلبات الأحوال النفسية وما يرافقها من مواجيد ومذاقات صفائية خاصة تقصر المادة اللفظية عن تصويرها بشكل دقيق وواضح ، فيعمد الصوفي إلى الرمز والإشارة التي أتينا على ذكرها كيما يعبر عن فيضه الباطني أو ما يعترى داخله من تقلبات وأحوال لذا نجده يبدع لنفسه مصطلحات خاصة وأبجديات لا يدركها إلا من عاش تلك الحالات الصوفية التي يعتبرها بعضهم بأنها نوع من الشطحات ؛ يقول أحدهم :
ذكرنا وما كنا لـننسى فـنذكر  ولكـن نسيـم القرب يبدو فيبهر
فأفنى بـه عني وأبـقى به له      إذ الحـق عنـه مخـبر ومعبر
.. هذه المقطوعة المكثفة من بيتين اثنين ، تعطينا صورة عن الطريقة التي اتبعها شعراء التصوف في إبداعهم الشعري ، ... فهي من الناحية الفنية مجردة من الجمال الذي ينشده الفنان من قرضه للشعر ، وهي أقرب إلى الوزن النظري المقروء والمنظوم منها إلى المبدعات الفنية ذات الجمالية التصويرية والتعبيرية ، ذلك أن الشاعر الصوفي لا يعنى بالشكل بل بالصفة ولا يتقيد بالمظهر بل بالمعنى المراد ، المهم أن يكتب أبياتاً مشحونة بصلة القربى بينه وبين المتلقي ، لينقل ما يعتريه من أفكار داخل الوجدان كما فعل السهروردي :
لمعت نارهم وقد عسـعس        الليل وملّ الحادي وحار الدليل
فتأملتها وفكري من البيـن       علـيل ، ولحظ الغرام الدخيلُ
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنّى         وغـرامي ذاك الغرام الدخيلُ
ثم مالوا إلى الملام فقالوا :        خُلَّبٌ مـا رأيـت أم تـخييلُ
إن الشاعر الصوفي حسب معرفتي به هو إنسان مرهف جداً ، يستمد عناصر وحيه وإلهامه من عالمه الذاتي ، عالم المثاليات اللامتناهية والإحساس العميق بالجمال في أسمى معانيه وما هذه الآثار الفنية ـ على ضآلتها ـ غير تعبير عن الجمال الذي يتأثر به الإنسان .. والجمال عند الصوفي هو جمال معنوي ، وذلك لأن الصوفي ينشد الجمال في المثل الأعلى أما  الواقع فلا قيمة له في نظره ، لا بل إن هذا الواقع المرير هو الذي حدا به إلى تصور حياة غير التي يعايشها ..
وقاده إلى تصور حياة أوفر نعمة وأكثر سعادة من حياة الآخرين فوق هذه الأرض، فعمد إلى تحقيق التطور اللانهائي للوجود .
ونحن نعيش الحب الصوفي بتصوره أكثر من واقعه ، لأن الحب في الحقيقة هو وليد التصورات المجنحة ، وهو بفضل هذه الأحلام يستمر ويحيا ، ولكل قلب أسراره .. كما يقولون ، ولذا لا ينضب معينه ، فالحب الصوفي دائم الينبوع ، ننهل منه باستمرار ليل نهار إحتفاءً بموكب الحياة الزاخر المتدفق بالعطاء ، الفياض بالألوان ، الحافل بشتى الأحاسيس الإيجابية والنجاوى الهامسة ، والحوافز الخفية نحو ثالوث الحق والخير والجمال ينهل من الوجدان لذلك أبدع الغزل الصوفي فأمتع فأضغى على الأيام روحانية السماء ، كما فعلت رابعة إذ جعلت من الحب غاية مثالية لا ينشد لرغبة أو لرهبة بل للحب ذاته بما فيه من نقاء وصفاء .. وإدراك للحقيقة التي تفضي إلى الفناء والمطلق في الذات الإلهية والوحدة المطلقة التي ذهب إليها الحلاج :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا        نـحن روحان حللنا بـدنا
فإذا أبـصرتـني أبصـرته       وإذا أبـصـرته أبصـرتنا
هكذا الشعر الروحي يحلّق في أعلى مراتب الكمال ، يقرب من ذي الجلال ويباعد عن الضلال ، ويؤنس الوحيد ، ويسامر العاشق ويحيوا المحب بالعطف والتأييد من الإله الواحد المجيد .
الحب الصوفي وحي يوحيه المولى سبحانه لعباده الذين أراد إسعادهم وقضى في الأزل إكرامهم لأنه موهبة توهب ، فتأتي السعادة وتحظى بالحسنى وزيادة .. فيتراءى للمتصوفين رؤى خاصة بهم .. يرونها رأي العين ، وقد يمسك بعضهم عن الإفصاح بها لأسباب عديدة كما يقول ابن الفارض في بوحه هذا البيت المفرد:
يا رُبّ جوهر علم لو أبوح به           لقـيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ومن مرائيه الخاصة مثل قوله :
آنست في الحي نارا       ليلاً فبشرت أهلي
قلت امكثوا فلعلي           أجد هواي لعلي
نوديت منها كفاحاً         ردوا ليالي وصلي
صارت جبالي دكاً          من هيبة المتجلي
وصرت موسى زماني      مذ صار بعضي كلي
فهو قد رأى نارً مقدسة .. وتوقع أن يجد عليها هدى ورمزاً للضياء .. فسمع من خلالها نداء الحق تعالى ، واعتراه ما اعتراه من هيبته وجلاله ..
.. فهو لا ريب كشف له الحجاب فظهر ما غاب وانكشف له كون جديد لا سبيل أن يخطر إلى وعينا شيء منه ، أو من بعض ظلاله فمهما قلنا عن انفعاله أو تفاعله بما وراء ما نحياه .. فهو صادق ما دام عرف عنه كذلك ، لأنه لم يبتدع موضوع كشف الغطاء وإدراك ما لم يكن مدرك .. فهو ونظراؤه يقطعون سبيل الجدل لأنهم يعبرون ـ كما أشرت غير مرة ـ عن حالة ذوقية وجدانية عايشوها بحبات قلوبهم وإشاراقاتهم وترنيماتهم ومرائيهم فانعكست أنواراً ، وانبجست أسراراً .
ويبقى ـ في نظري ـ ابن الفارض أمير الشعر الصوفي ، ولم لا وهو يهدر دائماً
وما زلت مذ نيطت علي تمائمي        أبـايع سلـطان الهوى وأبايع
وإني مذ شاهدت فيّ جمــاله      بلـوعة أشـواق المحبة والع
أُراني بوادي الحب أرعى جماله       ألا في سبيل الحب ما أنا صانع
صبرت على أهواله صبر شاكر      وما أنا في شيء سوى البعد جازع
كل أشعاره هكذا مرشحة بمفردات الحب والجمال والغزل والهيمان .
على أيديه اشتهر شعر التصوف وقد كون تياراً فريداً في الشعر الإلهي ..
وكما أسس مدرسة من مريديه عملت تحولاً في دنيا الأدب الصوفي حيث تأسست هذه المدرسة وتكونت باجتماعها ثلاثة عناصر متآلفة متعاونة وهي :
.. الأول : عاطفي ؛ والذي تحوّل معه الحب العذري النزيه إلى قيمة وإلى مثل أعلى  .
.. الثاني : فكري : وكأنه مستقى من حكماء اليونان وفلاسفة الرومان .
.. الثالث : أخلاقي : وهو الذروة عندهم فبلغ الثراء بالوصايا والحكم والمعاني العالية بحيث أضحى أغنى تراث أخلاقي وتربوي في حضارتنا حتى الغزالي المفكر والعالم والحجة تدفقت قريحته بالشعر الصوفي كقوله :
ما بال نفسي تطيل شكواها     إلى الورى ، وهي ترتجي الله
لو أنها من مليكها اقتربت     وأخلصت ودّها لأدناها
أفقرها للورى ولو لجأ        إليه من دونهم لأغناها
ومن السودان يطل علينا عبد المحمود نور الدايم بديوان رائع أسماه شراب الكاس يقول في مطلعه هائيته العملاقة نقتطف من جرعاتها :
افتح لباب كريم أنت راجيه          بماله وهو يرضى من مراضيه
واستغفر الله من أحوال نفسك مع      دمع على الخد بالأحزان تجريه
وناجه في ظلام الليل منكــسراً     ذليل نفــس خشوعاً إذ تناجيه
والله حاكم والغـفران شــاهده    ما يريده تعــالى فيك يمضيه
والستر مكشوف والأهوال ظاهرة     والذنب يغفره بالحــب يبديه
إن رمت وصـلاً في الحيـاة به     تفنى عن الكون قاصيه ودانيه
فقيّد النفس عن إطلاقــها أدبـاً     وارمق بعينك حسناً فهو حاويه
لا تشغل القلب إلا بالـجمال ولا     تهوى سـواه بحـال أو بتنويه
ما لذّلي غيره حتى أمـــيل له      إذ حبه في الحشا شوقاً لأطويه
ما لذّلي غيره حتى أمـيل لـه     إذ حبه في الحشا شوقاً لأطويه
إن للخطاب الصوفي في طروحاته الشعرية تفاصيله الممتنعة عن الاستقصاء ، مما يقتضي بعد التأمل مع رصيد الصفاء لتلقي موجّهاته ، والجلوس في مواقعه وحتى نتجنب التورّط في قضاياه ونظرياته العليا ومساربه الروحية وما فيه من أهوال ونحن نستطلعها ؛ علينا بالمواجهة والملامسة المبتهجة كي نحصل على الانتساب المعرفي ، والاندماج الذوقي والتربّص في المسالك التي يحفرها في القلب انتشاء ، حينها ننسجم بل ونتنبه لعمق المعطى الصوفي لا سيما في شعرهم الفلسفي وكشوفاتهم الرقيقة والعميقة معاً ناهيك على مقدرة اللفظ على استيعاب المعنى وتوجهاته وتقاطعاته بما فيها من مفاهيم وتطلعات نحو ما هو أرفع وأسمى ما في هذه الحياة لنكوّن فكرة وإلمامة في المشهد الثقافي المعاصر ..
وهنا لا بد لنا من وقفة في المغرب العربي ، لأن الحرف واحد ، والموقف واحد والشعر واحد وكذلك التصوف .. لا سيما أن العلاقة وطيدة بين الشعر والتصوف والتجربة بينهما متشابهة إن لم تكن متماثلة خصوصاًَ رمزية اللغة وإشارة الدلالة ، وتجربة السفر الروحي من الكائن إلى المكوّن عبر هذا الكون الواسع من خلال عملية الكشف عن معنى الروح الواحدة بين كينونة الإنسان ومحيطها الكوني ، فضلاً عن استدعاء الشخصيات الصوفية من كبار الأولياء وأهل العرفان في القصيدة التي دبّجها الشاعر لتجربته الشعورية ، وحاورها ، وتحدث معها ، وعنها، واتخذ منها قناعاً ونسج من وحي حضورها مساقاً لمجاهداته وفيوضاته التي تتجلى عبر المعاني الرقيقة للحكمة الصوفية واشتياقها للملأ الأعلى ، متجاوزاً الظاهر الكوني ، محلّقاً في الغيب ، ومنصتاً إلى كل إيقاع خفي متستّر بين حنايا الطبيعة التي تخجب حكاياها في ثنايا الأسرار البعيدة .
إنها مسألة الهروب إلى الذات ، والوقوع في هواجسها من خلال اكتشاف إبداعي لدورة شعرية جديدة ، لها منطلقها المتمثل في امتزاج تجربة الشعر الخلاقة في الحالة الصوفية ، لتصاغ بقالب تعبير فني متميّز حيث تتوطد العلاقة العضوية بين النص الشعري والذات الشاعرة الناطقة في ذلك الإنجاز بلغتها الخاصة بل الفريدة، وبدرجات توتّرها الشعوري والوجداني والورحي ، مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة التواصل والتعاضد بين الكلمة الخضراء الندية بالمرجعية الصوفية ، والتآخي مع الشعر تكويناً وتركيباً ولغة وإيقاعاً وصورة وخيالاً ، مما يؤكد ثنائية الشعر والتصوف في حديقة الأدب العربي بما فيها من أطياف وأزاهير ..
وإذا تأملنا الذات في أعماق الشاعر المغربي فريد الأنصاري لوجدناها متحولة إلى لهيب وجمار إذ ان تجربته الشعرية ثمة احتراق يلتهم الجوانح والشاعر هو زيتها ووقودها :
أوقدْ مصابيح القصيدة واحترق        فالنور من لهب الجوانح يولد
زيتونة القرآن أشرق طلعـها       من زيتها حرف الهداية يوقد
وهذا اللون المضيء .. هو قلادة للشعر الصوفي في جيد الأدب الروحي يدفعنا إلى نبعه ليرد من صفاء عيونه ، ويشتد أوار العطش فلا نجد له رواء إلا في عيون الشعر الصوفي الخالد على مدى التاريخ مروراً بعمر الخيام في رباعياته وجلال الدين الرومي في المثنوي والشيرازي من أدباء فارس ، وكذلك قصائد الابتهال والأذكار والتوجيه وأشعار المديح النبوي .. مما تمثله المعاني الرؤيوية التي انتقلت من التصوف إلى الشعر ، إذ الشاعر كالصوفي ، كل منهما يرى في لحظات انفصاله عن عالم الحس وانتقاله إلى الواردات والخواطر النورانية ، مما يمثل مرحلة تسبق الوجود اللغوي للقصيدة ..
ولسان حال المبدع المتصوف يردد ، وعيونه تصافح الغيوم :
إن قلبي يراك في كل شيء         فهـو يهفو للطير في نغماته
وقول الشاعر محمد الحلوي يترجم قصة آدم بخياله وهو يسبح في العالم العُلوي الفردوسي :
في جـنان لو رآها آدمٌ         ما عصى خالقه أو أذنبا
لو رأى إبليس في أحلامه         بــابها أقبل يعدو تائبا
وفي قصيدة مشاهدات ذوقية لعبد الكريم ثابت ـ من المغرب أيضاً ـ تنطلق روح الشاعر هائمة مخترقة مظاهر الوجود ، باحثة عن سر الحياة ومعاني الفناء والخلود ، منطلقة تحوم إلى ما وراء الحجب محاولة الكشف عن غوامض الاستتار:
وبات خيالي وراء الوهاد            يطوف ليكشف هذا الوجود
وسر الحياة ومعنى الجماد           ومعنى الفناء وسر الخلود
وهكذا فإن المفهوم الصوفي للشعر ينقل ـ كما رأيت ـ علاقة الشاعر بقصيدته من مجرد صناعة شعرية بمقتضياتها الوصفية والبيانية إلى البحث عن الحقيقة الشعرية التي تصير هدف الذات الشاعرة المدركة لكل مكابداتها ، ومعاناتها ، وكنه تجلياتها ، وهي تنشد بصورة ما ، إذكاء التوتر الوجداني في أثناء وثبة المفهوم وانتقال المقصود إلى حيّ. العبارة الشعرية والمشاهدات القلبية " مهما اتسعت الرؤية وضاقت العبارة " وتفتحت آفاق التحليق والخيال وتنوعت ملامج الإشارة وإيحاءات الرموز ، وانبجست من الحالة الذوقية روعة الوصف ودقة البيان ، ولو أنهما عن تصوير تلك المواجيد والأحوال والتجليات لا يغنينا
avatar
ابو ضياء

ذكر عدد الرسائل : 205
العمر : 58
الموقع : لى بالحمى قوم عرفت بحبهم
العمل/الترفيه : انا الفقيراليكم والغنى بكم ** فليس لى بعدكم حرص على احد
المزاج : فى سليمى وهواها كم وكم ذابت قلوب
تاريخ التسجيل : 01/09/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى