بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» تأخر نضج عقول الشعوب العربية
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeأمس في 23:55 من طرف محمد حنان

» مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeأمس في 4:22 من طرف علي الصوفي

» بديع في مدح المصطفى
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالثلاثاء 17 سبتمبر 2019 - 9:56 من طرف صالح الفطناسي

» حفل تكريم سيدي الحاج محمد بن عمر
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالجمعة 13 سبتمبر 2019 - 23:28 من طرف ابو اسامة

» فز بالقوم هم الأحبة
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالجمعة 6 سبتمبر 2019 - 17:15 من طرف أبو أويس

» لا طاقة لي بهذا الطريق
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالجمعة 6 سبتمبر 2019 - 17:12 من طرف أبو أويس

» الفرق بين الواعظ والعارف بالله!!
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالجمعة 6 سبتمبر 2019 - 1:47 من طرف إلياس بلكا

» تمت معالجة مشكل إدارة المنتدى
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالخميس 5 سبتمبر 2019 - 11:07 من طرف أبو أويس

» سمير الصادقين بشرح مرآة الذاكرين
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالأحد 1 سبتمبر 2019 - 20:56 من طرف بلقيس

» جيل المسيخ الدجال
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالإثنين 19 أغسطس 2019 - 23:56 من طرف سيدي محمد

» من كنوز السنة النبوية الشريفة
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالإثنين 19 أغسطس 2019 - 23:49 من طرف سيدي محمد

» من رسائل سيدي فتحي السلامي القيرواني إلى بعض مريديه 1
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالإثنين 19 أغسطس 2019 - 2:47 من طرف علي الصوفي

» العشق للحضرة المحمدية ( انشاد )
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالأحد 18 أغسطس 2019 - 1:35 من طرف علي الصوفي

» تهاني العيد ( عالم ملكوت )
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالجمعة 16 أغسطس 2019 - 23:52 من طرف الشاذلي الحموي

» رؤيا بشيخنا وفقرائه
مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Icon_minitimeالثلاثاء 13 أغسطس 2019 - 19:52 من طرف أبو أويس

منتدى
"هذا مذهب كلّه جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل. "
قال أحمد الخرّاز: " صحبت الصوفية ما صحبت فما وقع بيني وبينهم خلاف، قالوا: لماذا، قال: لأني كنت معهم على نفسي"
سبتمبر 2019
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930     

اليومية اليومية


مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في الأحد 18 أغسطس 2019 - 1:06

بسم الله الأحد الذي لا إله غيره ولا معبود سواه 
الموجود في كل مكان وزمان بلا بداية ولا نهاية كان قبل خلق المكان وقبل حدوث الزمان وهو الآن كما كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء كما ورد في الحديث النبوي الشريف فقد كان ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان حار في وصفه الواصفون وتاه في معرفته الراسخون إن لو لا رسوخهم لزلّت بهم الأقدام وصار من قلوبهم الزيغ والطغيان 
والصلاة والسلام على سيّد الموحدين وعمدة أهل الشهود القانتين وعدّة الواصلين والسائرين السراج المنير القطب الأشم والطود الأعظم مولانا وسيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وكل من تبعه إلى يوم الدين


أما بعد : 
اعلم أيها المؤمن المغرم المحب أو الصوفي السالك العاشق أن من جملة رجالات أهل الله من الراسخين في العلم والمعارف الإلهية ممن فتح الله عليه بمنه وفضله بالفتح الكبير شيخنا العارف الواصل الصوفي الكامل سيدنا ومولانا الشيخ إسماعيل بن عثمان بن علي الهادفي رضي الله عنه وقدس الحق سره العزيز 
الذي ترك تراثا بعد وفاته رضي الله عنه من جملته مناجاته الجليلة " مرآة الذاكرين " التي تدلّ على كمال معرفته ورسوخ قدمه في حضرة القدم وتدل على تمام علمه بالشريعة والطريقة والحقيقة وأدبه العالي الفخيم وكماله السلوكي فيما يخص السير وأصوله والوصول وشؤونه والعرفان وأطواره والولاية ومقاماتها والعبودية ومستوجباتها كونها الأساس وهي الجدار الذي أقامه الخضر حينما أراد أن ينقضّ لأن العبودية شريعة وكنز الجدار الذي تحته حقيقة فكانت الشريعة ساترة للحقيقة فهي عنوانها وكل باب من غير بابها مسدود وكل عمل من غير سبيلها مردود { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }


لذلك أرجو بعد أن توكلت على الله أن يوفقني لكتابة قبسات جديدة ونفحات أخرى عديدة بخصوص بعض ما ورد في تلك المناجاة من معان التي تعدّ أعجوبة من أعاجيب ما أجراه الله تعالى على لسان شيخنا رضي الله عنه وهو مازال مريدا في حياة شيخه رضي الله عنه خصوصا بعد شهادة القطب العارف شيخ شيخنا سيدي محمد المداني رضي الله عنه كون مناجاته " واردا رحمانيا " وكونها " كلام قريب العهد من الله " وتكفي هذه الشهادة من قطب عارف في قامة ومكانة سيدي محمد المداني رضي الله عنه عن كل شهادة آخرى 


فانتظرونا إن شاء الله تعالى ...
يتبع ... 

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف Dalia Slah في السبت 24 أغسطس 2019 - 15:27

بالانتظار

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
Dalia Slah
Dalia Slah

انثى عدد الرسائل : 59
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 10/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف عبدالله حرزالله في الأحد 25 أغسطس 2019 - 1:48

إن شاء الله

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
عبدالله حرزالله
عبدالله حرزالله

ذكر عدد الرسائل : 51
العمر : 31
تاريخ التسجيل : 15/04/2015

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في الأحد 25 أغسطس 2019 - 22:25


_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في الأحد 25 أغسطس 2019 - 23:39

إلاهـــي قََدْ غَمَرَتْنِي أَمْوَاجُ بَحْرِ كَرَمِكَ الزَّاخِرِ الذِي لا يَتَنَاهَى، فَأحْرِصْنِي فِيهَا حَتَّى لا أَطْغَى بِهَا وَثَبِّتهَا لدَيَّ بِتَوْفِيقِي لِشُكْرِكََ عَلَيْهَا فَأرَاهَا منْكَ وَإليْكَ وَأكُونُ فِيهَا دَاعيًا بِكَ إليْكَ إذْ رَحْمَتُكَ جَاءَتْ بِي إلَيْكَ وَفَضْلُكَ دَلَّني عَليْكَ وَالكَريم إذَا أعْطَى أجْزَلَ العَطَاء َوَرَفَعَ عَنْ عَظِيمِ آيَاتِ جُودِهِ الغِطَاء وَكَيْفَ لا وَأنْتَ أَكْرَمُ الأكْرَمِين.

التحدث بالنعم والشكر على الكرم الإلهي من سيما العارفين وآداب الواصلين ومخاطبات المتحققين إذ لا بد من داع يدعو العبد للتحدث بالنعمة وذكر الشكر على المنّة وهذا الداعي هو الإذن الرباني بالوارد الرحماني والإلهام الصمداني الذي لا يعتريه لبس ولا ريب لشدة صفائه وتوارد عطائه من جنس قوله تعالى في إذنه الصريح لسيد الخلق وإمام أهل الخُلق صلى الله عليه وسلم { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } 

أي حدث بها فيها عنها فتكون النعمة ترجمان نفسها لسان حالها يقول { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ } حيث سرى فيهم النعيم كما سرى الماء في عوده فلا قيام للماء بلا عوده ولا عوده بلا ماء كما قال عيسى عليه السلام من وجه آخر مخبرا عن بعض فروع هذا الأصل { وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ } 

لذلك كانت وجوه التحدث بالنعم عديدة منها ما هو متوجه للخلق من إنس وجان يصدر عن الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أو ممن اتبعهم باحسان وسار على أقدامهم من أولياء الله تعالى من أهل الفتح والوصول كما أخبر بذلك سيدنا عيسى عليه السلام عن نفسه ومن جنس هذا ما أخبر الله تعالى به خلقه عما أكرم به بعض عباده وفضل به بعضهم على بعض كما أكرم آدم على سائر خلقه وفضله عليهم {  وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } 

لذا كان أول اعتراض صدر من ابليس لعنه الله تعالى هو الإعتراض على الكرم الإلهي والجود الرباني حيث قال كما ذكر الله تعالى في محكم التنزيل { قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ .. } الآية 


حيث تناول بالذكر الكرم الإلهي على آدم دون سائر الصفات الإلهية الأخرى مشيرا تصريحا أنه يعترض على القسمة الإلهية والعطاء الإلهي في أعلى مراميه لذا كان أول ما حسدت عليه قريش بني هاشم هو نبوة النبي الهاشمي صلى الله عليه وآله وسلم كما حسدت اليهود والنصارى المسلمين على ما فضلهم الله تعالى به عليهم كما قال تعالى { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم } 

هذا كي تعلم أن أس الداء الذي سارت عليه الجن والإنس على حد سواء هو داء الحسد الذي عنوانه تمني زوال النعمة عن الذي أنعم الله تعالى عليه بها فانظر علاقة مرض الحسد بوجود النعم لذلك كان التحدث بالنعم الربانية لا يكون إلا عند موافقة مقصد شرعي أو بإذن رباني يجده العبد في قلبه فيتحدث بنعم الله تعالى عليه فيكون محفوظا من تسلط هوى نفسه عليه ومن هذا الجنس ألف الإمام سيدي عبد الوهاب الشعراني رحمه الله كتابه ( المنن الكبرى )

وكذلك فعل أكثر من واحد من أهل الله تعالى حيث تحدثوا بنعم الله تعالى عليهم بإذن رباني ووارد رحماني لتوفية حقوق الشكر وآداب الحمد ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام ( أنَا سَيِّد وَلَد آدَم يَوْم الْقِيَامَة وَأَوَّل مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْر وَأَوَّل شَافِع وَأَوَّل مُشَفَّع ) فكل هذا اخبار من العبد لغيره عما أكرمهم الله تعالى به لتعرف منازلهم فتحفظ مقاماتهم 

ومنها ما هو من جنس التحدث بنعم الله على العبد نحو توجه العبد نحو ربه يناجيه ذاكرا أنعمه عليه شاكرا توارد مننه إليه فهذا معنى أعلى من الحال الأوّل والكل من عند الله في الحقيقة لذا كانت مناجاة مرآة الذاكرين كنز عرفاني وجوهر ايماني قل نظيره في زمانه 

هذه مقدمة وجيزة يقتضيها المدخل لشرح بعض معاني مناجاة شيخنا رضي الله عنه التي فيها من الأنوار والحقائق واللطائف والآداب ما يخرج عن دائرة الإحصاء والإستقصاء متى علمت أن تلك المناجاة صدرت عن وارد رحماني والهام رباني لا يخفى إلا عن مطموس بصيرة والعياذ بالله تعالى حيث شملت المناجاة وجوه من الفقه منها : 

- فقه آداب المخاطبات الإلهية من العبد لربه 
- فقه آداب التحدث بالنعمة 
- فقه آداب الشكر أصولا وفروعا 
- فقه آداب السؤال والطلب 
- فقه آداب الأخذ والقبول
- فقه المعارف الربانية 
- فقه آداب أهل الكمال والوصول  
...
الخ 

إذ لو لم يترك شيخنا رحمه الله تعالى من الإرث الإيماني إلا هذه المناجاة لكانت تغني عن مئات من المجلدات والكتب في مجال الطريقة والحقيقة حيث توجه في مخاطباته لربه على نعت الشكر وصفة التدبر والفكر لسان حاله يقول {  فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } 
..
يتبع ان شاء الله تعالى 

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف محمد حنان في الخميس 29 أغسطس 2019 - 0:48

الله الله

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
محمد حنان
محمد حنان

ذكر عدد الرسائل : 18
العمر : 30
تاريخ التسجيل : 07/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في السبت 31 أغسطس 2019 - 4:27

 التحدث بالنعم الإلهية على العبد على وجه الإعتراف بمنة المنعم بها عليه مطلب رباني ومقصد شرعي على شرط وجود الغرض الصحيح والنية الصادقة في نفس العبد وخارجها لئلا يدخل عند الحديث في مهالك الإغترار ومزلات الأهواء كالذين قالوا { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }


حيث نسبوا وأسدوا لأنفسهم مقامات لا دليل لهم عليها من أنفسهم مما يشهدونه فيهم مما لا يوافق المنهج الرباني  ولا من خارجها مما يشهده الناس من استعلاء وغرور صادرا منهم وهذا يعد من دائرة الكبر والكذب لذلك قيل لهم تكذيبا لدعواهم { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } لأن صاحب المحبوبية يغفر الله تعالى له جميع ذنوبه برحمته ولا يعذبه عليها لا في الدنيا ولا في الآخرة كونه صاحب توبة في كل أوقاته مهما أذنب وزل ..

لكن يجب العلم أن حقيقة التحدث بالنعم وإن كان مطلبا شرعيا في كل زمان ومكان للتعريف بمنة المنعم وجوده وكرمه وعطائه والإقرار بوجود جزيل فضله في كل الأوقات والأحوال كما ورد من حديثه عليه الصلاة والسلام ( أبوء لك بنعمتك عليّ } إلا أنه لا يكون على وجهه التام إلا بعد تمام النعمة وكمال المنّة وعظمة الفضل وجزالة الكرامة التي هي كرامة الوصول والعرفان وكمال الفتح والشهود فهذه غاية النعمة ولب الجود والكرم وعين العناية والمنّة الإلهية على العبد 

فهي حضرة الكرم والفضل وروح الرحمة والإجتباء ومناط القرب والإصطفاء فلا يفرح عارف بنعمة تعادل فرحه بنعمة محبة الله له وقربه منه لأن النعم في نظرهم صنفان نعمة مقصودة لذاتها كالفتح والوصول ونعم أخرى كثيرة مقصودة لغيرها لذلك نبهوا أن السالك لا يجوز له التحدث بشيء من أسرار خصوصيته حتى يكمل في باب سيره وسلوكه ويبلغ درجات أهل الكمال خشية أن يقع في مزلات الدعوى وبهتان الهوى لأن كل ما يظهره السالك أو العارف مما اختصه الله تعالى به من غير إذن إلهي فهو على خطر جسيم لأن اظهار ما لم لا إذن لك في إظهاره يعد دعوى يخشى على صاحبها الوقوع في المكر والإستدراج ..

لذلك نبّه صاحب الحكم العطائية على هذا حيث قال ( استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ) لأن الفقير الصادق لا تستشرف نفسه علم الخلق بخصوصيته فضلا أن يحرص تمام الحرص على اظهار ذلك في كل محفل لأن افشاء الأسرار الربانية لا يجوز وهو حرام عند أهل الطريق يأثم مرتكبه إلا ما كان بإذن إلهي صريح وهو ما يعبرون عنه بالوارد الصافي والإلهام الصحيح ...

ثمّ إن التحدث بالنعم الخاصة -وليست العامة التي يتشارك فيها جميع المخلوقين ولا يستغنون عنها لقوله تعالى { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا }- إنما تكون لغاية معينة لأنها من نفس جنس الواردات الربانية التي إما تكون لقصد هداية مريد أو بسبب فيضان وجد وإن كان الكامل من الرجال عندما يتحدث بأنعم الله تعالى عليه بعد تمامها إنما يتحدث ليعرف بمقامه حتى يهتدي الخلق به ..

لأن من المطالب الشرعية أن يبيّن العالم منزلته في العلم متى جهلها الناس حتى يقتدي الخلق به ويسمعون منه فينتفعون به بخلاف أهل الأهواء من الذين يعملون على الظهور بأنفسهم للخلق بلا مقصد شرعي صحيح ولا إذن رباني صريح لذلك قالوا الظهور يقصم الظهور إذ لولا سيدنا موسى عليه السلام ما عرف أحد منا سيدنا الخضر عليه السلام الذي ورد ذكره في القرآن على مر الأزمان ..

لأن عالم الولاية يعطي معنى الخفاء أكثر مما يعطي معنى الظهور ونعني هنا خاصة التعريف بمقامات الربانيين ومنازلهم كأهل الكهف الذين ما كان يعرفهم إلا قليل كما قال تعالى { مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ } فالقلة لا يعلمها إلا القلة { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } {  وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ } فإذا كان في آخر الزمان عددهم قليل فكذلك سيكون عدد من يعرفهم قليل ...

لذا نبّه صاحب الحكم إلى أن معرفة أولياء الله الحقيقيين شأن رباني وفضل إلهي وذلك في قوله ( سُبْحانَ مَنْ لَمْ يَجْعلِ الدَّليلَ على أولياؤئه إلا مِنْ حَيثُ الدَّليلِ عَلَيهِ وَلمْ يوصِلْ إليهمْ إلا مَنْ أراد أَنْ يوصِلَهُ إليهِ ) لأن علاقتك بالله تعالى هي مفتاح وصولك لأوليائه وأحبابه فمتى علم الصدق منك في التوجه إليه ألقاك إلى من يوصلك إليه فيربيك ويزكيك ويدخلك إلى حضرته فتلك وظائف مشايخ التربية ومهام المرشدين فطريق السلوك لا ينادى عليه بلسان الإشتهار بل ينادى عليه بلسان الأحوال { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } 

قلت : 
أطلق شيخنا رحمه الله تعالى من الأسماء إسم " مرآة الذاكرين " على مناجاته الربانية كونها مرآة يرى فيها الذاكر نفسه فكانت كميزان يزن عليه السالك جميع أحواله ونوازله حتى يعلم محله من الإعراب في السير أما العارف الواصل فيشاهد في تلك المرآة ما من الله تعالى به عليه فيكون لسان حاله يقول لقد عبّر المؤلف عما بدواخلنا ونطق بما في قلوبنا فشهد شاهد من أهلها وكنا لشهادته من السامعين الشاهدين ولما آتاه الله مما يتعلق به في مقاماته من المبتهجين فطوبى له ولنا بالخير العميم والفضل الجزيل فجزاه الله عنا خيرا كثيرا حيث تركها وردا لمن رغب في نافلة الإستفادة إذ هم القوم لا يشقى جليسهم فكيف يشقى المتتبع لآثارهم المتعطش لأمدادهم 

فمتى كان العبد من الذاكرين فتلك مرآته لشكر المنّة ومن كان من الغافلين فتلك مرآته لرفع الهمة فكانت ماء حياة للقلوب والأرواح كغيث ينفع حيث نزل ..

ثم هي مناجاة اجتمعت فيها خصائص للخاصة وهدايات للعامة فكانت تصلح وردا لأهل الظاهر والباطن حيث جمعت بين بحري الشريعة والحقيقة وتلك النعمة المثلى والمنقبة العظمى  

يتبع ان شاء الله تعالى ..

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في الثلاثاء 3 سبتمبر 2019 - 1:47


إلاهـــي قََدْ غَمَرَتْنِي أَمْوَاجُ بَحْرِ كَرَمِكَ الزَّاخِرِ الذِي لا يَتَنَاهَى

من تمام نعم الله على عبده وصوله إلى مقامه الذي أراده الله تعالى واختاره له وتمكينه فيه { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ } إذ منه يصح للعبد عندئذ الحديث عما أكرمه ربه به إذ من تمام نعمة الله على عبده وصوله إلى مقامه الموعود وحلوله في مقعده المشهود 

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } 

حيث ذكر هنا في الآية ترتيب المكرومات والتنبيه على المقاصد العاليات فذكر الفتح في باب الشهود ثم ما يستوجب ذلك من غفران سائر الذنوب وستر كافة العيوب ..

ثم الحلول في المقام الموعود بالنسبة لكل حبيب أو محبوب بينما كان من تمام نعمه على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم حلوله في مقامه المحمود الذي لا يصلح لغيره فهو صاحبه ثمّ بعد نوال جميع تلك المكرومات لا يراعي العبد إلا التماس سبل الهداية من خالق الأرضين والسماوات المعبر عنه بالصراط المستقيم إذ لا مناص من اتباعه لئلا يركن العبد لحظة إلى زواخر الكرامة أو يلتفت لمحة إلى أكوان الإقامة فيغتر بما نال ورأى فيستغنى وربما طغى وتجبر فيضل { إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى } لذلك افتقر موسى وهو في عين الغنى بربه حيث قال { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } إذ لا بدّ لكل مقام من أدب ولكل وهب من شكر ولكل حال من صفاء 

لذلك استفتح المؤلف رضي الله عنه مناجاته بقوله ( إلاهـــي قََدْ غَمَرَتْنِي أَمْوَاجُ بَحْرِ كَرَمِكَ الزَّاخِرِ الذِي لا يَتَنَاهَى ) ذاكرا أنعم الله عليه عاجزا عن تعدادها مصداقا لقوله تعالى في كل منزلة من المنازل وفي كافة المراتب ظاهرا وباطنا { وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } والإحصاء أبلغ من العد وأوسع إذ هو من صفات الخالق خاصة لقوله تعالى { وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا } 

بدأ بذكر كرم الله عليه الذي غمره كأنه استفتح بحمد الله وشكره لا فرق إذ هذا يستلزم ذلك ضرورة حتى عبر عنه بوصف الأمواج إذ الكرم كبحر ما استوقفك فيه إلا الموج الذي غمرك منه رغم أنك تسبح فيه ولا تشعر لذلك وصفه بالزاخر أي الذي يسعه ويسع غيره فلا ينفذ والذي لا يتناهى فتتجدد نعمه بلا مثال سابق بلا عدد ولا احصاء لمدد إلى أبد الآباد وهذا معنى الخلود الأبدي في بحر النعيم والكرامة إذ من علامات الكارع من بحر الكرم أن يصفه وصف المشاهد لا وصف الناقل إذ شتان بين المؤمن بالموعود وبين الموقن بالوعد 

بدأ المؤلف بذكر أنعم الله عليه لأنه اعتراف بالفضل الإلهي عليه الذي يستوجب الشكر بداية ونهاية ثم يستوجب السؤال والطلب في عين العطاء والجود إذ ليس قيمة الثواب في ذات الثواب وإنما قيمة الكرامة في سريان أنفاس التوحيد فيها من هنا انطلق المؤلف في سؤال وطلب دوام التمكين والأدب وتمام التثبيت في حالة السلوك والجذب ...

...  

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في الأربعاء 4 سبتمبر 2019 - 11:41

إلاهـــي قََدْ غَمَرَتْنِي أَمْوَاجُ بَحْرِ كَرَمِكَ الزَّاخِرِ الذِي لا يَتَنَاهَى

هناك وجود النعم الإلهية السارية في كافة الأماكن والأزمان لأنه سبحانه المنعم على عباده وهناك اتمام النعمة الشاملة التي هي نعمة تمام العمل بأحكام الإسلام والتحلي بنور الإيمان ومكاشفات الإيقان ومشاهدات الإحسان كما قال تعالى { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } لأن المراد والغاية هو قوله تعالى { وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } لما للتطهير والتزكية من علاقة باتمام النعمة وما لاتمام النعمة من علاقة بمقام الشكر فكأن حاصل اتمام النعمة بدايته الوصول إلى الله تعالى ونهايته التمكين في المقامات وذلك بالتثبيت على الهدايات لقوله تعالى { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } فحقيقة النعمة هو الثبات على صراط الله المستقيم وحقيقة النقمة هو الزيغ والطغيان عن ذلك الصراط كما أن حقيقة الكرامة هو الإستقامة كما قال الشيخ العارف سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه 

لأن كل نعمة على العبد ظاهرة كانت أو باطنة علمها العبد أو جهلها تذكرها أو نسيها هي من بحر كرم الله تعالى وجوده وعطائه على الكافة من عباده خاصة وعامة 

إذ أن مقام شكر الخواص على النعم يبدأ بعد تمام المعرفة والوصول والتمكين حيث تصبح جميع أعمال العارف وأفعاله الظاهرة والباطنة شكرا على سائر أنعم الله عليه كما قال تعالى في حق آل سيدنا داود النبي عليه السلام { اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } 

لذلك عندما تسمع أو تشاهد أحدا من أهل العرفان والولاية يذكر مقامه ومنزلته أو كل ما آتاه الله تعالى إياه من الخصوصيات والكرامات حذار أن يتسرب إلى ذهنك وقلبك غير فهم كونه قصد التحدث بأنعم الله تعالى عليه لئلا يكون لها جاحدا لقوله تعالى { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } لكن لا يكون ذلك إلا بإذن رباني ووارد رحماني كما بيناه في السابق لأن كل متحدث من أهل الولاية من غير الهام ووارد أو متقدم للمشيخة من غير إذن رباني فهو أقرب للدعوى من الحقيقة مهما أعجبنا كلامه وطربنا لنطقه كما بينه صاحب الحكم العطائية ( ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار، إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار ) 

لأن الأصل في الطريقة كونها طريقة كتم لا افشاء وكونها طريقة خفاء لا اظهار فلا يكون الحديث فيها إلا بإذن رباني لئلا تخرج الحقائق مكسوفة الأنوار فتمسي حجابا عن أنوار الواحد الغفار لذا وصف سيدي محمد المداني رضي الله عنه مناجاة شيخنا رحمه الله تعالى كونها واردا رحمانيا والهاما قدسيا فيضا من حضرة الله تعالى فكانت مددا ربانيا وكل ما كان من جنس المدد تزخر متونه ببحار من المعاني واللطائف والإشارات فيكون سيراج هداية وسبيل بيان وهلم جرا فحقيقة العلم ما كان مددا وفيضا متى علمت أن القرآن كله مدد من عند الله لكنه مدد في أعلى مراقيه شاملا في أرقى معاليه { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } فكل ما كان من الفيوض والمدد فهو من جنس القرآن المعجز العلمي 

لذا لا يخفى الفيض الرباني والمدد الرحماني إلا عن مطموس بصيرة فبكامل السهولة يمكن التمييز بين كلام أهل المدد وبين كلام المدعين المتشبهين بهم الذين يعلمون في قرارة نفوسهم لو صدقوا أنهم كاذبون لأن يسر تمييز هذا عن ذاك كيسر تمييز النور عن الظلمة بل حتى الضرير يمكنه تمييز ذلك فضلا عن البصير 
..

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في الأربعاء 4 سبتمبر 2019 - 22:09

قال سيدي بن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى في مناجاته ( إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك ) فالكرم الإلهي على العبد يطلق لسانه بالثناء والشكر وينطقه متحدثا بالنعم لذلك بدأ المؤلف رضي الله عنه مناجاته بذكر مشاهداته لذلك الفيض من النعم التي يراها صادرة من المنعم عليه بها كأنها كانت الداعي والسبب في خروج تلك المناجاة المفاضة على قلب شيخنا رحمه الله تعالى لأن المكتوب يعرف من عنوانه فكان عنوان تلك المناجاة التي هي مرآة للذاكرين التنبيه على الفضل الإلهي على المؤلف وعلى كل ذاكر سلك طريقه لذلك رغّب مريديه في قراءة تلك المناجاة كلما سنحت الظروف والأحوال كونه يتمنى لهم وللمسلمين من الفضل ما ناله ومن الخير ما حصّله فحقيقة المريد الصادق من يسير بسير شيخه لتسري فيه أحواله الربانية ويتحقق بالمقامات العرفانية 

إلاهـــي قََدْ غَمَرَتْنِي أَمْوَاجُ بَحْرِ كَرَمِكَ الزَّاخِرِ الذِي لا يَتَنَاهَى

غمرته لأنها كالأمواج لا حدّ لها ولا عدّ كيفا وكما لذلك لم يذكر نوعها ولا أفرادها أو ماهيتها حيث ذكرها بلسان الجمع كأنه يشير إلى أن غرضه كان الشكر عليها بداية ثم توفية الآداب فيها نهاية مع تمكينه فيها لئلا يزهد فيما آتاه الله فيكون من الخاسرين لقوله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام { قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ } وهو الشكر على المقامات والمنازل والرتب إذ لا يتحقق الشكر مع انعدام شهود النعم فضلا عن فقدانها حسا ومعنى لذا بدأ المؤلف رضي الله عنه طلبه وسؤاله بتثبيته في تلك النعم وحرصه فيها حيث قال : 
 فَأحْرِصْنِي فِيهَا حَتَّى لا أَطْغَى بِهَا وَثَبِّتهَا لدَيَّ بِتَوْفِيقِي لِشُكْرِكََ عَلَيْهَا

معنى الحرص هنا أي يا رب كن لي حصنا على أن لا أطغى بأمواج بحر كرمك الزاخر التي غمرتني من جنس قوله تعالى في حق سيد الرسل عليه الصلاة والسلام { حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) أي حريص على منفعتكم فكذلك يا رب اجعلني حريصا بك على منفعتي من تلك النعم لئلا أطغى بها كما طغى السامري من قبل مصداقا لقوله تعالى في حق إمام العارفين عليه الصلاة والسلام { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ } مما شاهد ورأى حيث { لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ } أي آيات الكرم الإلهي عليه صلى الله عليه وسلم متى علمت أن ليلة عرج به أطلعه الله تعالى على كل ما أودعه في حقيقته المحمدية مما كان عليه الصلاة والسلام غافلا عنه { وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } عن خصوصيتك وخصوصيات العالم لشدة فنائه في حضرة ربه فلا يرى سواها ولا يلحظ غيرها صلى الله عليه وسلم 

متى علمت أن الحرص نوعان حرص مذموم وهو طمع النفس وتشوفها إلى الحظوظ فتحرص على تحقيق أهوائها وشهواتها الخفية والجلية وحرص محمود وهو حرص العبد على كل ما يقربه إلى الله تعالى كما حرص عليه الصلاة والسلام على نجاح وفلاح أصحابه وأمته من بعده 

قرأت لبعض ساداتنا كون الكلمة الصحيحة هي " أحرسني فيها " وليست " أحرصني فيها " والجواب أن الصحيح هو " أحرصني فيها " معنى ومبنى وهذا ما ورد في المتن الأصل الذي عرض على المؤلف رحمه الله تعالى وأقره 
...

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف إلياس بلكا في الجمعة 6 سبتمبر 2019 - 2:08

هذه المناجاة بحر زاخر.. وهذا الشرح -رغم أنه يتعلق فقط بالجملتين الأوليتين- فيض باهر. والحمد لله رب الظواهر والسرائر.
أسأله تعالى أن يوفقكم لتكملة هذا الشرح الثاني، وأن يوفقني لطباعة المناجاة وإخراجها بجميع ما أمكن من شروحها.. آمين.
إلياس بلكا
إلياس بلكا

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 50
تاريخ التسجيل : 15/05/2015

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف أبو أويس في الجمعة 6 سبتمبر 2019 - 17:55

الحمد لله 
بصراحة سيدي علي أثلجت قلبي وهيجت مهجتي بهذا الشرح الوافي والزاخر والذي ضاهى المشروح واستضاء منه عمق المعاني وسلاسة الفهم وهذا ما كنت منتظره منكم سنوات ولعلي طلبت منكم ذلك. 
فجزاك الله عنا كل خير وواصل بإتحافنا ودندن لنا باسم الوهاب فالخير زاخر والممد صاحب من وعطاء... 
أبو أويس
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1414
العمر : 60
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في الجمعة 6 سبتمبر 2019 - 22:26

بارك الله فيكم وجزاكم خيرا سيدي إلياس 
هذه المناجاة بحر زاخر...
هي كذلك بشهادة سيدي محمد المداني رضي الله عنه حيث وصفها بأنها " وارد رحماني "
وهذا الشرح -رغم أنه يتعلق فقط بالجملتين الأوليتين- فيض باهر..
لا أعتقد ذلك ولا أظنه إنما هي قراءات في متن المؤلف رحمه الله تعالى قد تصيب وقد تخطئ لا أدعي كونها فيضا ولا فتحا ففاقد الشيء لا يعطيه فهذه الحقيقة غاية الكلام أنها مراسيل محبة لشيخنا رحمه الله تعالى

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في الجمعة 6 سبتمبر 2019 - 22:33

أبو أويس كتب:الحمد لله 
 وهذا ما كنت منتظره منكم سنوات ولعلي طلبت منكم ذلك... 
فجزاك الله عنا كل خير وواصل بإتحافنا ودندن لنا باسم الوهاب فالخير زاخر والممد صاحب من وعطاء... 
جزاكم الله خيرا على حسن ظنكم بالعبد الفقير سيدي محسن فهذا من محاسن شيمكم  

كنت عزمت على كتابة بعض معان وردت في المناجاة الزاخرة منذ سنوات كما ذكرتم تماما إلا أن كثرة ذنوبي وبعدي عن القوم ومشربهم حال دون ذلك نسأل الله تعالى الغفران والتوفيق والسداد اللهم آمين  

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في السبت 7 سبتمبر 2019 - 22:27

فَأحْرِصْنِي فِيهَا حَتَّى لا أَطْغَى بِهَا وَثَبِّتهَا لدَيَّ بِتَوْفِيقِي لِشُكْرِكَ عَلَيْهَا
ذكر هنا في معرض الدعاء والسؤال مسألتين هامتين :
الأولى : الخوف من الطغيان بالنعم
الثانية : الخشية من سلبها بعد عطائها
وكل هذا مرده إلى خشية الفتنة بها متى وقف العبد معها أو مال إليها طرفة عين كما مال من قبل آدم إلى الحرص على الخلود في الجنّة فأكل من الشجرة رغم ورود النهي بخصوصها متى علمت أيضا أنها من جملة نعيم الجنة التي كان فيها وإلا ما أكل منها إذ لا يوجد في الجنان غير النعماء والكرامة إنما كان النهي عن الأكل منها لحكمة ...

فكانت خشية المؤلف رضي الله عنه من الإبتلاء والإختبار في معرض التحدث بأنعم الثواب والكرامة لأنّه لا يأمن المكر الإلهي لقوله تعالى { وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } ثمّ لما تمليه فروض الآداب في الأخذ والترك لكون غايته رضي الله عنه الأخذ بالله والترك به لا الأخذ بالنفس والترك بها لأنّ هذا الحال الأخير يدخله في عدم الضمانة والحفظ الرباني لأنّ العارف لا يأخذ إلا بالله لا بنفسه وكذلك في الترك

فسأل الحرص في عدم الطغيان بها ثمّ تثبيتها لديه على شرط توفيقه للشكر عليها لأنّ العبد الرباني لا يشهد من أوصاف الأنعم عليه إلا ما وفّى فروض شكرها على قدر استطاعته ووسعه وإلا فقد يشهد النعمة نقمة متى حجب بها عن ربه الذي أكرمه ونعمه كما فعل سيدنا سليمان عليه السلام { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ }

فكان سبب سؤاله الحرص فيها هو لقصد عدم الطغيان بها فكانت خشيته من الطغيان ضاهى فرحه بورود النعم وتدفق المكرومات عليه حيث غمرته كالأمواج من كل مكان وجانب ثمّ حتى لا يجحد ما أوتي من كرامة أو يتكبّر على ما نال من المنّة الإلهية سأل تثبيتها لديه لكن ترافق مع طلب التوفيق للشكر عليها لأن الفرح بالنعم والكرامات والعطاء دون الإنتباه إلى مطلب التوفيق للشكر عليها وهو الفرح بالمنعم الذي أنعم بها يهوي بالعبد إلى مزالق الإغترار الذي يدخله في نسبة الأنعم إليه عن طريق الإيحاء أو الإشارة فضلا عن التصريح بالعبارة

لذا لا تجد عارفا يغتر بما آتاه الله تعالى من النعم والكرامات مهما بلغت الآفاق بل قد يكون وجلا واقفا على بساط الأدب لأنّه قد لا يعلم مراد الله تعالى فيما آتاه لوجود السلب بعد العطاء والطرد بعد القبول والعقاب بعد الثواب والعتاب بعد العجلة { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } ... 

لذا يكون حرص العارف على توفية حقوق الشكر والوقوف على بساط الأدب عند توارد العطايا والمنن أولى عنده من شهود النعم والفرح بالمقامات لمراقبته لمولاه الذي تولاه في الأنفاس حيث يزن الخاطر بالقسطاس ..

فكان حرص المؤلف رضي الله عنه على توفية حقوق الشكر وآداب القبول أولى عنده من الفرح بالنعمة دون المنعم بها عليه الذي يراقبه في الأنفاس حيث قال ( فَأرَاهَا منْكَ وَإليْكَ ) أي تلك النعم وتلك الأمواج من الكرم التي غمرته إنما يراها من الله وإليه فهي وإياه ملك ذاتي لربه لا يشاركه فيها من شيء لا في قليل ولا كثير لأنّ الأصل في العبد الفقر فهو وصف ذاتي له في كل وقت وآن بينما وصف الغنى لا يكون إلا لله أزلا وأبدا لا يشاركه في غناه الذاتي أحد من خلقه كما قال تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } حيث أطلق الفقر الذاتي على الكافة من الناس فلم يخصص وعليه قس بعد ذلك غيرهم من الأمم والأجناس الأخرى فإذا كان الخليفة له هذا الفقر الذاتي الدائم فبصفة أولى يكون لغيره ممن ليس هو بخليفة مثله ...

إذا علمت ذلك فاعلم أن مشهده رضي الله عنه كونه ( فَأرَاهَا منْكَ وَإليْكَ ) مشهد حقيقي لا تكلف فيه لا شريعة ولا حقيقة لأنّ الشريعة والحقيقة يدلان على ذلك أي شرعا وعرفانا أو قل إيمانا وإيقانا لذا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول كما قال تعالى { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

قوله ( فَأرَاهَا منْكَ وَإليْكَ ) يجوز أن يكون كلاما مستقلا لأن ذلك مشهد كل عارف واصل يرى النعم والكرامة جميعها من الله وإليه كما يجوز أن يكون كلامه معطوفا على ما قبله وهو قوله ( فَأحْرِصْنِي فِيهَا حَتَّى لا أَطْغَى بِهَا وَثَبِّتهَا لدَيَّ بِتَوْفِيقِي لِشُكْرِكَ عَلَيْهَا ) أي عندما تجيب سؤالي بتثبيتي لشكرك عليها بعد توفيقي للحرص على عدم الطغيان بها سوف لا أراها في تلك الحالة إلا منك صادرة وإليك عائدة فيرتقي حالي إلى ( وَأكُونُ فِيهَا دَاعيًا بِكَ إليْكَ ) أكون داعيا بك لا بها وإليك لا إليها حيث استهلك جميع تلك النعم في الدلالة عليك وإيقاف نفسي والناس بين يديك كما أكون داعيا فيها بك لأنّك أقرب إليّ منها حيث يتم شهود المنعم قبل مشاهدة النعمة لئلا تمسي على قلبي حجابا فتكلني إلى نفسي فيها فأطغى بها

 فَأرَاهَا منْكَ وَإليْكَ وَأكُونُ فِيهَا دَاعيًا بِكَ إليْكَ 
إذ لا غرض لي فيها ما دمت لا أراها منك وإليك ولا أكون فيها داعيا بك إليك لأنك المنى وإليك المنتهى 

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في الإثنين 9 سبتمبر 2019 - 2:47

من الطغيان بالنعم الإلهية صرفها فيما لا يرضي الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام سواء أكانت تلك النعم والمكرومات أم الخصائص والمقامات حسية مادية أم معنوية روحية لذلك يخشى أهل الله تعالى من الإستدراج والمكر الإلهي الخفي عند الإخلال بأدب من آداب العبودية وهم في بحر العطاء الإلهي والكرامة الربانية خشية الإغترار كما اغتر إبليس لعنه الله من قبل { قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } 

قال تعالى في أهل الكفر { وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ } 
وقال لقمان لإبنه وهو يعظه كما قال تعالى { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } 
ينبهه على آداب الربانيين ليهتدي بها 


لأن العلاقة الأصلية التي تربط العبد بربه علاقة عبودية بالأساس فجميع الأعمال والأحوال والمقامات تدور حول أصل شجرة العبودية كما تدور الرحى حول قطبها فالعبودية أصل بينما كل ما يتفرع عنها من الثمرات والخصائص يعود إليها فكل فرع لا يعود لأصله يمسي مقطوعا لقيطا معطوبا لذلك أصبحت الحظوظ في حق أهل الله حقوقا تعين توفيتها فلا تتشوف لها نفوسهم إلا من حيث كونها حقوقا بينما نظر إبليس لعنه الله تعالى إلى الخلافة من باب حظوظ نفسها منها لا من باب حقوق ربه فيها كما نظرت إليها الملائكة التي سجدت لآدم فلما رآها من جملة الحظوظ تشوفت نفسه إليها فعصى أمر ربه بسببها لذا لا تجد في قلب عارف حظ من حظوظ النفس لا ظاهرا ولا باطنا كونه انتقل من مرتبة حظوظ النفس إلى مقام توفية حقوق الرب .. 

لذلك سأل المؤلف رضي الله عنه الوقاية من الطغيان بتلك النعم وأمواج الكرم ذلك البحر الزاخر الذي لا يتناهى كونه في تجدد مستمر وهذا لا يتأتى إلا عندما يتخذ ربه حصنا حصينا فلا يكله إلى نفسه طرفة عين ولا أقل من ذلك فلا يتصرف في شيء إلا بربّه فبه يأخذ وبه يعطي وبه يترك وهكذا ..

لذا قال ( فأراها منك وإليك ) فما قال أراها آتية منك نازلة إليّ لأنه كان فانيا عن نفسه باقيا بربه فلا يشهد مع ربه سواه وهذا المشهد مشهد المحققين من العارفين الذين يتكلمون بلسان الجمع أي الجمع بين الشريعة والحقيقة والعلم والعرفان وهذا معنى جوامع الكلم الذي أوتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل ( أوتيت جوامع الكلم وأختصر لي الكلام اختصارا ) لهذا نبه عليه الصلاة والسلام أن لكلامه من المراتب ثلاث مرتبة شريعة ومرتبة طريقة ومرتبة حقيقة تستشعر ذلك وتلحظه في دعائه لكل امرئ سمع مقالته فوعاها ثم اداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه لمن هو أفقه منه .. 
لأن حامل الفقه هو العالم الحافظ المتقن بينما ربما يكون المتلقي عنه أوعى فهما منه وهو ليس من العلماء أي ليس له مثل حفظه واتقانه لكنه من الأولياء من أهل الفقه القلبي ونور البصيرة .. فافهم معنى : رب مبلغ بفتح حرف اللام اسم مفعول أوعى من سامع وهو الحامل المبلغ بكسر حرف اللام اسم فاعل ..  

بيد أن كلام المؤلف رضي الله عنه كان ممزوجا بين أحكام الشريعة ومعارف الحقيقة فكان لسانه جمعيا أي له وجه للشريعة ووجه آخر للحقيقة حيث مجمع البحرين بينهما برزخ لا يبغيان 

هذا كي تدرك خشية العارف من الطغيان وهو في أعلى المقامات وأرقى المنازل العاليات كيف لا وقد قيل لإمام العارفين صلى الله عليه وسلم وهو في أعلى عليين { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ } 

الشاهد قوله وهو في أعلى مراتب الكرامة { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ } كي تدرك مرام سؤال المؤلف رضي الله عنه الحفظ والحصن من الطغيان بما كوشف به من مكارم النعم وأوتي من جلائل أمواج الكرم 

قوله ( وأكون فيها داعيا بك إليك ) نهاية الشكر عليها حيث استعملها في الدلالة على المنعم بها عليه وهذا من توفية حقوق الشكر على النعم لكون شكر النعم يتمثل في صرفها جميعا فيما يرضي الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام لأن مشهده كان الفقر التام حيث لا يرى لنفسه استحقاقا ولا لما صدر منه من الأعمال وتحلى به من الأحوال مقابلا لما أكرمه ربه به لذلك قال بعد ذلك رضي الله عنه ذاكرا المنّة شاكرا النعمة 

إذ رحمتك جاءت بي إليك وفضلك دلني عليك 
وسنأتي عليه إن شاء الله تعالى ..

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في السبت 14 سبتمبر 2019 - 1:55

إذْ رَحْمَتُكَ جَاءَتْ بِي إلَيْكَ وَفَضْلُكَ دَلَّني عَليْكَ
شهود المنّة مقدم على مستوجبات القيام بحقوق الشكر إذ لا يعقل أن يكون العبد من الشاكرين حقا وصدقا ما دام لم يستشعر ذوقا أسر المنّة والمنة منّتان :
- منّة عامة وهي منّة الله تعالى على جميع خلقه
- منّة خاصة وهي منّة الإيمان كما قال تعالى { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }
وهي أيضا نوعان منّة الهداية إلى الإيمان ومنّة الإصطفاء إلى مقام الإحسان وهذا الذي أشار إليه المؤلف في قوله رضي الله عنه ( إذْ رَحْمَتُكَ جَاءَتْ بِي إلَيْكَ ) وهي منة الهداية إلى طريق الخواص الذي هو طريق السير والسلوك الذي عبر عنه بالمجيء أي جاءت بي رحمتك إليك في الوقت الذي أردته وسبق في علمك أنه يكون حيث سبقت لي العناية منك نهاية الرحمة بي والفضل عليّ ..
كما قال تعالى في حق سيدنا موسى عليه السلام { ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى }
قال الإمام السعدي في تفسيره في شرح ذلك أي : جئت مجيئا قد مضى به القدر وعلمه الله وأراده في هذا الوقت وهذا الزمان وهذا المكان ليس مجيئك اتفاقا من غير قصد ولا تدبير منا وهذا يدل على كمال اعتناء الله بكليمه موسى عليه السلام

مع العلم أن رحمة الله الواسعة ما ظهرت في أحد من الخليقة مثلما ظهرت في سيّد الوجود صلى الله عليه وسلم المقول فيه { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } فكان صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة التي اهتدى بها الإنس والجن إذ لا يمكن أن يجيء أحد من العباد إلا من باب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كما قال تعالى { وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا } المقول فيه { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ ... } لكن الفاني في الله تعالى لا يرى معه سواه فهو في بحار التوحيد لا يثبت سببا عند التحقيق في هذا المقام لأنه لا يشهد إلا المسبب الحميد المجيد ..

أما قوله ( وَفَضْلُكَ دَلَّني عَليْكَ ) لأنه مادامت الرحمة جاءت به إليه فبصفة أولى أن لا يدله فضله الذي هو خارج التقييد والدوائر والتصنيف إلا عليه لأن حقيقة الرحمة هو كل ما جاء بك إليه بينما حقيقة الفضل هو كل ما دلك عليه لذلك قال تعالى في حق سيد الخلق عليه الصلاة والسلام { وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } الذي لم يدلك يا محمد إلا عليه فكلما عظم الفضل كلما زادت المعارف والعلوم بتوحيد العلي الكبير لذلك قال له قبل أن يشير إلى الفضل في نفس الآية { وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ } كأن الفضل الحقيقي ما تعلق بهذا الأمر من الدلالة والعرفان بالله تعالى خاصة..
مع العلم أن هناك الفضل العام وهناك الفضل الخاص وحديثنا عن الفضل الخاص الذي ذكره المؤلف رضي الله عنه حيث تعين شرح مناجاته في مجالها المذكور المشار إليه في العنوان ...

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي في الأحد 15 سبتمبر 2019 - 12:37

وَالكَريم إذَا أعْطَى أجْزَلَ العَطَاء َوَرَفَعَ عَنْ عَظِيمِ آيَاتِ جُودِهِ الغِطَاء وَكَيْفَ لا وَأنْتَ أَكْرَمُ الأكْرَمِين
بعد أن وصف بحر كرم ربه عليه الزاخر بالعطايا والمنن والمواهب والنعم وصف المعاين الذي غمرته أمواجه من كل جهة ظاهرا وباطنا حتى سأل الحفظ من الطغيان به والتثبيت للشكر عليه رجع إلى الثناء والتمجيد على الغني الحميد ناسبا ما هو فيه إلى حضرة كرم ربه عليه من حيث إسمه الكريم واسمه الجواد فقال ( وَالكَريم إذَا أعْطَى أجْزَلَ العَطَاء ) لأن من أوصاف الكريم أن يجزل العطاء عندما يعطي حتى يرضى العبد فيكتفي من حيث وسع أخذه ثم يرضى الرب من حيث وسع كرمه ..

ذكر شواهد من كرم الله تعالى وجوده وردت في أحاديثه عليه الصلاة والسلام عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :


( إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة : رجل يخرج من النار حبوًا فيقول الله -تبارك وتعالى- له: اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع
فيقول: يا رب وجدتها ملأى فيقول الله -تبارك وتعالى- له: اذهب فادخل الحنة قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك عشرة أمثال الدنيا قال فيقول: أتسخر بي؟ أو أتضحك بي وأنت الملك؟
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحك حتى بدت نواجذه قال: فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة ... )


ومن ذلك ما ورد في شفاعته عليه الصلاة والسلام حتى يقال له هل رضيت يا محمد ؟ فيقول بلى رضيت لقوله تعالى { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى }


وما ورد من حديث قدسي في القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم غاية العطاء ونهاية الجود الإلهي حيث بهم تتنزل الرحمات ويفوز محبهم ومجالسهم فكيف بهم وهم المقول فيهم وفي أمثالهم وأتباعهم { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }


لأن غالبية أهل الإيمان غير مكاشفين بما أعد لهم الرحمان يوم القيامة في دار الجنان من عطاء وكرامة إذ لو كوشفوا لآثروا الإنتقال إلى دار القرار واستعجلوا الموت من جنس حال الشهداء مع مراعاة الفارق بعد القياس { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }


أما أهل العرفان فهم أهل مكاشفة وعيان ربما يرى أحدهم مقامه في الجنة وجميع ملكه فيها وهو ما يزال في دار الدنيا لكن هممهم لا تتعلق بذلك ولا تتشوف إليه رغم فرحهم وسعادتهم بما آتاهم الله من فضله ظاهرا وباطنا { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }


لذا قال المؤلف رضي الله عنه ( وَالكَريم إذَا أعْطَى أجْزَلَ العَطَاء ) لأنه لا يستشعر في هذا المقام من أعماله أو أحواله شيئا فيطلب عوضا عليها أو يشهد ذرة من المنة على ربه بل لا يشهد غير كرم ربه وجوده عليه ومنّته التي ساقها إليه بلا تقدم استحقاق بل بمحض الفضل والإمتنان وهذا مشهد العارفين بربهم


بخلاف مشهد العبّاد والزهاد من المحجوبين رغم أن استشعارهم لأعمالهم حاضرا في كثير من الأحيان إلا أن كرم ربهم عليهم ظاهرا للعيان في كل مكان وزمان ترغيبا في خروجهم من شهود صدور العمل من تدبير وجهد النفس والبقاء مع سكرة الحس إلى شهود رحمة الله وفضله عليهم ذوقا ويقينا جازما لا تخمين فيه { مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ }


لأن العدل أن تكون الحسنة بمثلها كالسيئة التي لا يجازى إلا بمثلها سواء بسواء وإنما الذي أخرج عددها من المثل إلى عشر أضعافها هو الفضل الإلهي والكرم الرباني


لذا قال المؤلف رحمه الله ( وَرَفَعَ عَنْ عَظِيمِ آيَاتِ جُودِهِ الغِطَاء ) من باب قوله تعالى { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ } لأن أصل المعضلة تتمثل في حجاب العبد عن آيات ربه الظاهرة في كل آن وحين التي منها آيات الجود والكرم { لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ } فليس بينه وبينها إلا رفع الغطاء عنها كعين ملأى بماء منفجر منهمر ما يحجز ذلك الماء عن الفيضان إلا غطاء العين من الأحجار { فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ ...}


أي في الظاهر والباطن لكون الماء أصل الحياة في الظاهر والباطن وما الظاهر إلا صورة الباطن أو قل ظله ..


قال المؤلف رحمه الله تعالى ( وَكَيْفَ لا وَأنْتَ أَكْرَمُ الأكْرَمِين ) كيف لا يكون ويحصل كل ذلك الكرم والجود منك وأنت أكرم الأكرمين حتى اكتسب من فيض صفات كرمك كل كريم ما اتصف به من صفات الكرم المنسوب في الحقيقة إليك إذ ما ثم كريم سواك


فأنت أكرمهم لأن الكرم صفة لك وكذلك الجود لا يشاركك فيهما سواك ثمّ لأنك تفضلت عليهم بسريان صفات كرمك فيهم حتى صاروا كرماء وعادوا أهل جود وفضل والكل في الحقيقة منك وإليك وهذا ما نبه عليه المؤلف في قوله السابق رضي الله عنه ( فَأرَاهَا منْكَ وَإليْكَ وَأكُونُ فِيهَا دَاعيًا بِكَ إليْكَ ) فرد الفروع إلى أصلها والشريعة إلى الحقيقة


مما ورد في كرم النبي صلى الله عليه وسلم :
عن موسى بن أنسٍ عن أبيه قال (ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلَّا أعطاه قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإنَّ محمَّدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة )
وقد وصفوا كرمه بأنه كالريح المرسلة


لذلك سأل المؤلف ضمنا بعد الثناء والشكر بزيادة العطاء والنعماء الذي لا يتناهى والكرم الرباني الذي لا حد له في قوله رضي الله عنه

وَالكَريم إذَا أعْطَى أجْزَلَ العَطَاء َوَرَفَعَ عَنْ عَظِيمِ آيَاتِ جُودِهِ الغِطَاء وَكَيْفَ لا وَأنْتَ أَكْرَمُ الأكْرَمِين 
وهذا ما رده بعد ذلك إلى التساؤل والحيرة في الجزء الثاني من مناجاته معترفا بعجزه عن السؤال والطلب لنفسه لفنائه في مرادات ربه به وذلك في قوله رضي الله عنه ( إلاهـــي مَاذَا عَسَانِي أسْألُ وَبِكَ نُطْقُ لِسَانِي )
..

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف إلياس بلكا في الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 23:57

بارك الله فيكم سيدي علي.
أتابع شرحكم للمناجاة العظيمة، ولا أحب أن أقطع عليكم الشرح بتعقيب أو سؤال أو نحو ذلك.. حيث هذا التدخل أحيانا يشغلكم ويربك سلاسة الشرح واستمراره.
لكن وأنا أقرأ هذه الكلمات الطيبة عن الجود والكرم الإلهي خطر ببالي أن شيخ شيخنا -سيدي إسماعيل رضي الله عنهما- لم يأت في مناجاته كلها على كلمة "الفقر"... وهي صفة العبد المقابلة لغنى الله وكرمه. لا توجد إشارة إلى هذه اللفظة بالذات. وهذا أمر أحسب أن له تفسيرا ولابد.
والله تعالى أعلم.
إلياس بلكا
إلياس بلكا

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 50
تاريخ التسجيل : 15/05/2015

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين - Empty رد: مذاقات الواصلين من رحيق مختوم - مرآة الذاكرين -

مُساهمة من طرف علي الصوفي أمس في 4:22

إلياس بلكا كتب:... خطر ببالي أن شيخ شيخنا -سيدي إسماعيل رضي الله عنهما- لم يأت في مناجاته كلها على كلمة "الفقر"... وهي صفة العبد المقابلة لغنى الله وكرمه. لا توجد إشارة إلى هذه اللفظة بالذات. وهذا أمر أحسب أن له تفسيرا ولابد.
والله تعالى أعلم.
بارك الله فيكم أستاذ إلياس بلكا وجزاكم خيرا 
الفقر عند أهل الله ليس مجرد كلمة أو إسم أو لفظة تتداول كتابتها أو نطقها والتلفظ بها بل هو وصف ذاتي لكل ذات إنسية في كل مكان وزمان بمعنى أن ذات الإنسان في حد ذاتها فقيرة إلى مولاها فقرا ذاتيا فضلا عن صفات تلك الذات البشرية وهذا الفقر الذاتي يكون ظاهرا كما يكون باطنا 

فالفقر وصف حال دائم فهو عنوان حضرة العبودية لله تعالى وليس هو فرد من أفراد تلك الحضرة بل هو مجموعها بمعنى أن كل فرد من أفراد أسرة العبودية لله تعالى يعود إلى أصل شجرته الذي هو الفقر الذاتي لله تعالى وليس بالضرورة أن يعبر عنه العبد تلفظا إلا في مقام الشريعة أي في مقام الأدب مع الله تعالى لأن التقيد بحكم الشرائع الإلهية هو الأدب مع الله تعالى فيقول العبد واصفا نفسه بـــ ( العبد الفقير ) بينما هناك كثير من العباد يتلفظون بهذا الوصف في حق أنفسهم ظانين أنهم بذلك تواضعوا وهم في الحقيقة ما صدر منهم ذلك إلا دعوى للفقر وهم منه خواء 

مع العلم أن اطلاق وصف الفقر حقيقة لا يكون إلا في مقام البقاء بالله تعالى لأن التحقق بوصف الفقر الذي ذكره سيدنا موسى عليه السلام لا يكون إلا في مقام البقاء بالله تعالى { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) مع الإشارة هنا أنه لم يأت بلفظة " آتيتني " كما قال سليمان عليه السلام { وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } أو كما قال يوسف عليه السلام { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } أو كذي القرنين المقول فيه { وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا } ... إلى غير ذلك 

لأن الملك الظاهر خاصة يعطي مظنة الغنى لأنه من عالم الملك الذي عالمه عالم حكم ورئاسة لذلك خدمت الجن والشياطين والطير والريح وغيرها الملك سيدنا سليمان عليه السلام لذلك قال { قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } فما جاء بلفظة الجحود التي تقابل لفظة الشكر إنما جاء بلفظة " الكفر " التي تقابل الإيمان كما قال تعالى { وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ } أي كفران النعم وهو جحدها وعدم نسبتها لصاحبها والإعتراف بمنته عليه ... لأن مقام الشكر مقام عال يقابله في الجهة المضادة الكفر من كل وجه فكان إبليس لعنه الله تعالى كافرا لا لكونه لا يؤمن بالله تعالى بل لكونه لم يشكر فدخل في الكفر وهكذا تكون عقوبة كل عارف بربه أساء الأدب في حضرته وتكبر فيها 

فجاء سيدنا موسى بلفظة { أَنْزَلْتَ } وهي تشير خاصة إلى رزق السماء وهو رزق الباطن أكثر منه الظاهر لذلك جاء بوصف الفقر لأن المقام يرده إلى البقاء بالله تعالى فهو في هذا الحال يذكر حقيقة ملازمة له وهي فقره الذاتي العام الذي لا ينفصل عنه بحال لا في الدنيا ولا في الآخرة ظاهرا وباطنا وإنما غاية ما يؤمر به العبد هو الشكر على العطاء والثناء على النعماء حتى لا يكون من الذين يكفرون النعمة ويجحدون المنة وإن من أكبر نعم الله تعالى على العبد أن دله على طريق خاصته من عباده الذين هم في رداء الصون لا يعرفهم إلا من أراد الله تعالى سعادته ..

بينما المتداول عن أهل الله أيضا وصفهم عند تسمية أنفسهم بــــ  ( العبد الفاني ) أو ( العبد الفقير الفاني ) لأن الفناء هو الأصل الأوّل بينما الفقر هو الأصل الثاني ويمكن أن تقول أن العارف يخرج من الفناء إلى مقام الفقر بينما السالك يرجع من مقام الفقر الشرعي إلى مقام الفناء ثم يخرج بعد ذلك إلى مقام الفقر الحقيقي لأن العبد بين حالتين إما أن يكون فانيا فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل وإما أن يكون باقيا ببقاء الله فيكون حاله ووصفه الفقر الذاتي العام الدائم مهما أغناه الله تعالى بفضله لأن الذي أوتيه وإن كان الله تعالى ملكه له فهو في الحقيقة ليس ملكا أصليا له بل قد يسلبه الله تعالى ما آتاه في كل لحظة ولمحة لهذا لا تجد أهل الله يتفاخرون بمقاماتهم أو يتكبرون بعلومهم وأحوالهم لأنهم يدركون أن ذلك سوء أدب ينزل بهم إلى الجهل بالله تعالى { إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } 

وعليه فكلام العارفين بالله تعالى كله يشير إلى فقرهم الدائم سواء عبروا عن ذلك لفظا صريحا أو لم يعبروا فيكفي من التعبير ما تستشعره الأفئدة وتفقهه القلوب وتشهده الأرواح 
أما مناجاة شيخنا رضي الله عنه فجميع ما ورد فيها لا يدل إلا على فقره إلى الله تعالى من كل وجه وناحية وتعبيره عن ذلك بلغ الغاية في مناجاته بل وصل به الأمر أن قال : 

إلاهــي أنْتَ غيَاثي فَعَلَيكَ تَوكُّلِي وَبِكَ عِيَاذِي فَأنْتَ وِقَايَتِي وَأنْتَ المَلْجَأ وَالمرْتَجَى لِكُّلِّ مضْطَرٍّ فَمِنْكَ أسْتَمِد حِمَايَتي فَأدِمْ الاهِي عَلَى عَبْدِكَ الضعيف المِسْكِينِ كَرَامَةَ بِرِّكَ وَنَدَاكَ ولَبِّ ندَاءَهُ إذَا مَا نَاداَكَ وَأجبْ دعَاءَهُ إذَا مَا دَعَاكَ بإنْجَازِ وَعْدِ قَوْلِكَ الحَق وَكَلامكَ الصِّدْق، وقَالَ رَبكمْ أدْعُونِـي أستَجبْ لَكمْ : أغْثـنى ياغِيَاثَ المسْتَغِيثينْ (ثلاثا) وَأنْجِدْنِي يَا رَاحِمَ المسْتَضْعَفِينْ(ثلاثا) وَأعِذْنِي مِنْ مَكْرِ المَاكرِينْ وَسطْوةِ الظَّالمين وَكيْدِ الشَّياطين وَأسْكِنِّي فِي سُرَادِقَاتِ حِصْنِ لطْفِكَ الخَفِيّ كَمَا يقْتَضِيه جُودكَ وَيَتَطَلَّبه كَرَمُكَ حَتَّى لا أشْعُرَ عِنْدَ الاقْتِضَاء ِبِمُرِّ القَضَاءِ وَأرْضِنِي اللَّهمَّ بمَا قَسَمتَه لِي أزَلا وَأوْفِر حَظّي من الصَّبرِ فيمَا جَرَتْ بِهِ المَقَادير فَلَكَ الأمْر وَبيَدكَ الخيْر انَّكَ عَلى مَا تشَاء قدير
أما قولكم : 
... لا أحب أن أقطع عليكم الشرح بتعقيب أو سؤال أو نحو ذلك.. حيث هذا التدخل أحيانا يشغلكم ويربك سلاسة الشرح واستمراره
لا ضرر من السؤال والإستفهام متى كان ناتجا عن وارد صاف فهذا يثري المعارف الربانية ويخرج من القلوب الصافية العلوم اللدنية قال سيدي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ( الناس خمرتهم في الحضرة ونحن خمرتنا في الهدرة ) أي في الكلام الرباني الصافي الذي يكون بين أهل النسبة الإلهية من مذاكرات وتفنن في العلوم والفهوم 


أما الأسئلة التي يكون منشؤها الخواطر النفسية وربما الشيطانية كالتي يتداولها في مصر اسلام البحيري وغيره فاعلم أن الذي يلقنهم كل ذلك وأكثر منه شيطان جني خبيث ورد فيهم قوله تعالى { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } يتلقون عن الشياطين ايحاءاتهم في كل وقت وحين وهذه أمور ظاهرة لكل صاحب بصيرة لا تخفى إلا عن أعمى قلب والعياذ بالله تعالى وإن جميع من يحاربون الإسلام اليوم إنما يحاربونه عن طريق الإيحاء الشيطاني وهو كما قدمنا مكشوف لذوي البصائر من الذين يميزون بين أنواع الخواطر ويفرقونها عن بعضها البعض أكثر من تمييز الحافظ أو المحدث للحديث الصحيح عن المكذوب الموضوع وما بينهما وهكذا ..

أنظر مثلا إلى حجم الخواطر التي يقع فيها من يسمونهم اليوم أهل فكر في الشرق والغرب على حد سواء رغم عدم نكراني للفكر عامة بل نبغ فيه رجال أصلحوا ونفعوا البشرية في كثير من الجوانب ..
..

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
علي الصوفي
علي الصوفي

ذكر عدد الرسائل : 1062
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى