بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» ليتني كنت فلاحا
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 12:31 من طرف صالح الفطناسي

» سؤال لأهل المحبة و الصّفاء و الصّدق و النّوال
الإثنين 28 أغسطس 2017 - 17:20 من طرف صالح الفطناسي

» اللهم شد ازري
الأحد 27 أغسطس 2017 - 15:43 من طرف صالح الفطناسي

» منتدى رياض الواصلين
الأربعاء 9 أغسطس 2017 - 5:24 من طرف علي

» دعاء ليلة الزّواج
الأحد 6 أغسطس 2017 - 10:03 من طرف ابو اسامة

» أين اللقاء يا أهل الصفاء
الثلاثاء 2 مايو 2017 - 10:04 من طرف أبو أويس

» النخب العربية و عالم السياسة
الأحد 26 مارس 2017 - 22:59 من طرف علي

» الإسلام والإيمان والإحسان
الأحد 26 مارس 2017 - 9:48 من طرف أبو أويس

» خواطر
الأحد 26 مارس 2017 - 9:46 من طرف أبو أويس

» إلى والدي الحبيب رحمه الله تعالى
السبت 11 مارس 2017 - 0:42 من طرف علي

» الدقائق في تمييز علوم الحقائق
الأربعاء 1 مارس 2017 - 23:10 من طرف علي

» اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ ...
الأحد 26 فبراير 2017 - 4:18 من طرف علي

» بردة الفقير
الأربعاء 22 فبراير 2017 - 8:43 من طرف فراج يعقوب

» كيفية ذكر لا إله إلا الله للمريد الجديد
الأربعاء 8 فبراير 2017 - 21:32 من طرف زياد بن يوسف

» العمرة ومناسكها
السبت 21 يناير 2017 - 10:59 من طرف ابو اسامة

منتدى
"هذا مذهب كلّه جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل. "
قال أحمد الخرّاز: " صحبت الصوفية ما صحبت فما وقع بيني وبينهم خلاف، قالوا: لماذا، قال: لأني كنت معهم على نفسي"
أكتوبر 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031    

اليومية اليومية


سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

صفحة 2 من اصل 3 الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الجمعة 11 يونيو 2010 - 11:46

قل هذه سبيلي أدعوا إلى اللّه:

يقول اللّه تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى اللّه على بصيرة أنا ومن اُتّبعني وسبحان اللّه وما أنا من المشركين} (108يوسف).
الـدّعوة إلى اللّه فرضها الإسلام وأوجبها، فمن ذلك الآية السّابقة وقوله: {ومن أحسن قولا ممّن دعا إلى اللّه وعمل صالحا وقال إنّني من المسلمين} (33 فصلت)
وقوله تعالى: {أدع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (125 النحل).
فالدّعوة إلى اللّه هي دعوة إلى الحقّ وهي أمر واجب في الإسلام لأنّ المولى عزّ وجلّ أمر الرّسول صلى الله عليه وسلم بالتّبليغ لقوله تعالى: {يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت} (67 المائدة)
ولذا كان صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع يقول: ’’اللهم قدبلّغت، ألا هل بلّغت، ليبلغ الشاهد الغائب فإنه ربّ مبلّغ أسعد من سامع‘‘ (أخرجه أحمد وابن مردوية) وفي رواية ’’عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه‘‘ ( رواه البخاري) فالـتّبليغ صفة من صفات الرّسل الأربعة الواجبة وهي الصّدق والتّبليغ والأمانة والفطانة وهي كذلك صفات أربعة مؤكّد الـتّحلّي بها في حقّ الفقـراء، فالصّدق واجب على كلّ مريد الإتّصاف به قولا وعملا فلا يخبر بغير الواقع وتكون الـنّسبة الكلامية مطابقة للنّسبة الفعلية، قال صلى الله عليه وسلم : ’’كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكلّ ما سمع‘‘.
وأمّا الصّدق في العمل فالصّوفي يحمل عنوانا ضخما ولافـتة عريضة على رأسه وهي ’’صوفي‘‘ وفي هذه اللاّفـتـة مفاهيم كثيرة منها التّقوى فحين نسمع برجال صوفية كسيدي المداني أو سيدي أحمد العلاوي أو سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي اللّه عنهم أجمعين، نتصوّر أنّهم رجال عاشوا في الـتّقوى وماتوا عليها، وكذلك نرى في كلمة ,,صوفي،، أو ,,فقير،، الأخلاق العالية المحمّدية، ومجال الأخلاق يدخل فيه كلّ معاني الكمال والفضل والتّحابب والإيثار والـتّوادد... فيلزم الفقير أن يكون في المستوى المطلوب وهو الإخلاص في العمل والقول ولا يكون ظاهره رحمة وباطنه عذاب أو العكس، ويكون محلّ الثّقة في الـنّاس فهو يمثّل الصّدق والثّقة والـتّحابب والإيثار... ويمثّل كلّ كمال، وهذه الصّفات كفيلة باُنتشار الدّين أو الطّريق لأنّ الإسلام لم ينشر بالسّيف كما يقول المغرضون وأعداء الدّين وإنّما شرع السّيف لحماية الدّين والدّعوة، ومن يقول بغير هذا فقد اُفترى على اللّه كذبا، قال تعالى: {ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعا أفأنت تكره النّاس حتّى يكونوا مؤمنين} (99 يونس) لأنّ مسألة الإيمان ترجع إلى القلوب، وقلوب الخلق بيد الحقّ قال صلى الله عليه وسلم: ’’إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه‘‘ (مسند أي يعلى) ولهذا كـان الخُـلُـق الحميـد من أعـزّ ما يُتـقــرّب به إلى اللّـه عز وجل فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ’’ما عمل ابن آدم شيئاً أفضل من الصلاة وصلاح ذات البين و خلق حسن‘‘ (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وقال أيضا: ’’ إن أثقل ما وضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء‘‘ (رواه إبن حبان) فالخُلُـق الحسن يحدو الـنّاس للخير والهداية وصلاح الأمّة في عاجلها وآجلها.
قال تعالى: {وأطيعوا اللّه ورسوله ولا تنازعوا فتفـشـلـوا وتذهب ريحكم واُصبروا إنّ اللّه مع الـصّابرين} (46 الأنفال).
وقال أيضا: {واُعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفـرّقوا واُذكروا نعمت اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلّكم تهتدون} (103 آل عمران).
والحمد للّه الذي هدانا، وربّ يجازي عنّا سادتنا الذين قاسوا الأتعاب في سبيل تهذيبنا وإراشدنا للخير، وهل هذا ليس له ثمن؟ إنّه يعتبر دَيْن علينا لغيرنا، فكما اُهتدينا على أيدي رجال فواجبنا أن يهتدي على أيدينا آخرين لقوله صلى الله عليه وسلم: ’’ليبلّغ الشّاهد الغائب‘‘ فلــو أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لم يبلّغ ما وصلنا هذا الخير وهلمّ جرّا كلّ الصّحابة والـتّابعين، أو سيدي محمد المداني قال:,,أنا سلكت وما يهمّني في غيري ، وإذا أمطرت ميّ فلا نزل القطر،، فلولاهم واللّه ما رأيتم الإسلام ... جزى اللّه من جاد علينا بسرّه .
فالإسلام له حقّ علينا في تبليغه للأجيال المقبلة...
أوصــل الأمـانة لغيرك واُحرص على أن يهتدي على يديك أكثر عدد ممكن من البشر... فالدّالّ على الخير كفاعله، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر: ’’لأعطين الراية غدا رجلا يفتح على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله‘‘ فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى فغدوا كلهم يرجونه فقال: ’’أين علي‘‘ فقيل: يشتكي عينيه، فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال: ’’انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم،، (رواه البخاري).
وفي الحديث: ’’من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء‘‘(رواه مسلم).
فالدّعوة والـتّذكير بإخلاص للّه لا للمدح أو ليقال فلان أتى بكذا رجال... وإنّما لنشر الفضيلة والهداية للطّريق المستقيم...
قال تعالى: {كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه} (110 آل عمران) . والمعروف ما عُرف خيره، والمنكر ما عُرف شـرّه.
أمّا في المستوى العالي : ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل، وهو منكر السّوى .
أمّا المعروف فهو من على العرش اُستوى .
واللّه ما ثمّ خير من الإيمان والإستقامة .
قال تعالى: {إنّ الذين قالوا ربّنا اللّه ثم اُستقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون} (30 فصلت) ليس تنزّل اُحتضار.
قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إن اللّه يغفر الذّنوب جميعا إنّه هو الغفور الـرّحيم} (53 الزمر) .
فهذه المغفرة تشمل الصّغائر والكبائر، إنّ الـكـبـائـر فـي الـغـفـران كـاللّـمـم.
وكلّ هذا الخير نتيجة الأمر بالمعروف والـنّهي عن المنكر والقائم بهما كالسّراج ينفع نفسه ويحميها ويحمي غيره بنوره.
والحاصل أنّ الدّعوة إلى الطّريق ديْنٌ علينا وليس فضل منّا، وكما أنّ الدّعوة فرض فما ندعو إليه وهو الـتّصوّف هو فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة.
واللّه كأنّكم سمعتموها من سيدي محمد المداني قـدّس اللّه روحه: ,,الفقير وجوده في وسط العامّة مذاكرة ولو لم يتكلّم،، أقلّ شيء يهتدي على يديك واحد للّه لأنّه دَيْن في ذمّـتـك، وجزاء تبليغ الدّعوة كجزاء المثل المذكور في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ’’ من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا‘‘ (رواه البخاري).
يعطى مثل ما عمل المهتدى إلى المهتدي به لأنّه كان سببا فيه... فلماذا نزهد في الخير والفضل والجنّة؟ أدخلوها بالفضل واُقتسموها بالعمل.
حدّث أبو ذر الغفاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:’’ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة‘‘ قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: ’’وإن زنى وإن سرق‘‘ قلت وإن زنى وإن سرق‘‘ قال: ’’وإن زنى وإن سرق‘‘ قلت: وإن زنى وإن سرق قال: ’’وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر‘‘ (رواه البخاري) قال أبو ذرّ: ما حدّثت بهذا إلاّ خشية التّأثّم.
وفي حديث آخر: ’’يا معاذ ابن جبل ما من أحد يشهد أن لا إلاه إلاّ الله وأنّي رسول الله صدقا من قلبه إلاّ حرّمه الله على النّار‘‘ قال: يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا، قال: ’’إذن يتّكلوا‘‘ (رواه السيوطي في جامعه). الدخول للجنّة بالفضل أمّا الدّرجات والـتّفاضل فبالعمل.
الـرّسول صلى الله عليه وسلم أحرص علينا منّا على سعادتنا في الدّنيا وفي الآخرة، وتخاذل المسلمين هو الذي خلّف الإسلام كما نرى اليوم {ألهاكم الـتّكاثر حتى زرتم المقابر} والإسلام ليس بمفقود وليس فيه مفقود.
اللّهم وفّقنا لجادّة الصّواب بجاه من أعطي فصل الخطاب صلى الله عليه وسلم ...آميـــــــــــن.


أبو أويس

عدد الرسائل : 1339
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف منصور في السبت 12 يونيو 2010 - 18:05

فيلزم الفقير أن يكون في المستوى المطلوب وهو الإخلاص في العمل والقول ولا يكون ظاهره رحمة وباطنه عذاب أو العكس، ويكون محلّ الثّقة في الـنّاس فهو يمثّل الصّدق والثّقة والـتّحابب والإيثار... ويمثّل كلّ كمال، وهذه الصّفات كفيلة باُنتشار الدّين أو الطّريق لأنّ الإسلام لم ينشر بالسّيف كما يقول المغرضون وأعداء الدّين وإنّما شرع السّيف لحماية الدّين والدّعوة، ومن يقول بغير هذا فقد اُفترى على اللّه كذبا، قال تعالى: {ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعا أفأنت تكره النّاس حتّى يكونوا مؤمنين} (99 يونس) لأنّ مسألة الإيمان ترجع إلى القلوب، وقلوب الخلق بيد الحقّ قال صلى الله عليه وسلم: ’’إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه‘‘ (مسند أي يعلى) ولهذا كـان الخُـلُـق الحميـد من أعـزّ ما يُتـقــرّب به إلى اللّـه عز وجل فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ’’ما عمل ابن آدم شيئاً أفضل من الصلاة وصلاح ذات البين و خلق حسن‘‘ (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وقال أيضا: ’’ إن أثقل ما وضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء‘‘ (رواه إبن حبان) فالخُلُـق الحسن يحدو الـنّاس للخير والهداية وصلاح الأمّة في عاجلها وآجلها.
قال تعالى: {وأطيعوا اللّه ورسوله ولا تنازعوا فتفـشـلـوا وتذهب ريحكم واُصبروا إنّ اللّه مع الـصّابرين} (46 الأنفال).

كلام يكتب بماء الذهب
فأين لمثلي من هذا ؟؟؟
avatar
منصور
مساعد مشرف عام

ذكر عدد الرسائل : 189
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 02/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الأحد 20 يونيو 2010 - 16:44

إنّي وجّهت وجهي...:

قال تعالى: فلمّا جنّ عليه اللّيل رأى كوكبا قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لا أحبّ الآفلين. فلمّا رأى القمر بازغا قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لئن لم يهدني ربّي لأكوننّ من القوم الضّالّين. فلمّا رأى الشّمس بازغة قال هذا ربّي هذا أكبر فلمّا أفلت قال يا قوم إنّي بريء ممّا تشركون. إنّي وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. (79الأنعام).
عن طريق الإشارة قال سيّدنا إبراهيم عليه السّلام هذا القول ليسوق قومه للتّوحيد حين رآهم يعبدون الكواكب والنّجوم فقد توجّه لكوكب لا لاعتقاد منه في ألوهيته ولكن ليفهم قومه ويفحمهم فأفل ذلك الكوكب فقال لا أحبّ الآفلين ثمّ رأى القمر فقال كذلك ثمّ رأى الشّمس فقال كذلك وبيّن لهم إنّ ما يأفل لا يستحقّ التّوجّه إليه والإستدلال به وقال لقومه: {يا قوم إنّي بريء ممّا تشركون. إنّي وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} (79 الأنعام). فدلّهم على أنّ الإلاه هو خالق كلّ شيء ولذا فهو لا يأفل.
الفقير في طريق اللّه يمرّ بهاته المراحل، وأوّلها كلّ من يراه من إخوانه عليه سمة القرب والتنوّر يتوجّه إليه ويرى فيه بغيته، والفقراء كلّهم كواكب، وحين يأفل هذا الكوكب الذي رآه، ويبرز له المقـدّم وهو المشار إليه بالقمر وقد عكس أنوار الأستاذ فيقول هذا بغيتي ومربّي ثم بعد مدّة يأفل ويبرز له الشّيخ فيتوجّه إليه بكلّيته وهنا يرى جميع الكواكب والأقمار في حاجة لهذه الشّمس وهو الشّيخ فحينها يتحقّق الشّيخ منه الصّدق والتّوجّه فيطويه عن عرشه ويفنيه عن نفسه وهنا يقول: ,,إنّي وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين،،
الفقير في بادئ أمره يوجّه وجهته لإخوانه والمقـدّم فيفنيه المقدّم في شيخه والشّيخ يفنيه في حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهكذا لا يتمّ الدّخول لحضرة اللّه إلاّ بالمصطفى صلى الله عليه وسلم . ولا يقول الفقير كما قال بنو إسرائيل لسيدنا موسى عليه السلام: {فاُذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون. قال ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي فاُفرق بيننا وبين القوم الفاسقين} (24 المائدة).
فمن الفقراء من يظنّ أنّ الشّيخ سيحمله إلى أعلى علّيّين بدون أن يقدّم عملا ولا جهادا للنّفس فالشّيخ لا يملك إلاّ نفسه وأخاه أي الذي اُتّبع سبيله أمّا من تمنّى على اللّه الأماني فهو العاجز إن لم يكن من الفاسقين.
يقول في الحكم: ,,لولا ميادين النّفوس ما تحقّق سير السّائرين،، العمل لازم للفقير لأنّ الرّان لابدّ من إزالته، تأتي لتتعلّم علم الفلك مثلا وعيناك مريضتان فهل أرفع لك يدك إلى الكواكب وأقول لك: هذا عطارد وهذا زحل؟ بل أقول لك: إذهب فداوي عينيك. فإذا كان القلب مملوءا بالرّان فهل تكون المفاهمة مع رأسك أو مع رجليك؟ إنّ المفاهمة مع القلب ولا بدّ من زوال الرّان، وهل سيزيله عنك زائر أو مقدّم إنّما تزيله أنت على نفسك بالذّكر، فحين تصقل مرآة قلبك تجد من تحتاجه معك ليس بعيدا.
الذّكر لصلاح المضغة قال صلى الله عليه وسلم : ’’ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب‘‘(رواه البخاري ومسلم)
{أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} (28 هود).
وليس ينفع قطب الوقت ذا خلل في الاعتقاد
أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بدون زاد .
قال شيخنا رضي الله عنه : ,,أعطاني ربّ نوصّل المريد في مذاكرة ولكن أخاف عليه السّلب،،
أعاذنا اللّه وإيّاكم من السّلب بعد العطاء ومن الغضب بعد الرّضاء...آميـــــن.

_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف alhadifi في الأحد 20 يونيو 2010 - 18:48

نعم سيدى " كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون "فالران يكون من كسب غفل الإنسان فيه عن ذكر الله ،كسب مشروع أو غيره ...يصبح ران على القلب إذا لم يكن صاحبه متوجه فيه إلى الله ،وكيف يستطيع صاحب هذا القلب تطهيره ،بالإكثار من ذكر لاإلاه إلاّالله ،فكلّما قلتها تمشى نورا لكتابك وتفسخ كلّ ما تمرّ به من وزرأو ران فى أغوار القلب، فتنجلي مرآة القلب ويشعّ بنور لا إلاه إلاّ الله ولربما أصبح العبد من شدّة التّعلق بذكر حبيبه يرى بنور الله، وتصقل مرآة القلب وتظهرللذاكر إشعاعات وفهم الله نور السماوات والأرض وأيضا أينما تولّوا ثمّ وجه الله ، وكلّما تخلّص من حظوظ نفسه وأوهامه التى رسمها لنفسه فى معتقده كلماازداد قربا وأنسا بالله فيزداد ترقى العبد فى قربه ومعرفته بالله فلقد قالوا "العمل واجب ولايعوّل عليه "أنت تذكر حبيبك فلا تفرض عليه ردّة الفعل بماذا سيجازيك لربما أنالك أكثر مما فى ظنّك ، لاتنتظر العطيّة بل عليك بالصدق فى التعلّق بحبيبك ظنّك جميل بأنه لايخيّب آمالك"أنا عند حسن ظنّ عبدى بى فليظنّ بى ما يشاء "لاتجعل أمامك قوالب جاهزة بأنّك ستكون كذا وكذا ولا تجعل الوهم يسيطر عليك بأنّك ستصبح ولي أو صاحب كرامة أو ...فهذا ليس ديدن أهل الله ..واعلم أخى الحبيب أنّ الأمر يكون أسهل بصحبتك للرّسول الكريم وما جاء به من كلّ الطاعات ، فكلّما أحييت سنة أحييت رسولك عندك حتى تصبح أنت هو ..واعلم أخى القارىء أنّ هذا الكلام روحه شيخ التربية و أيضا أنّ هذا الكلام لأهل التصوف لما لهم من فهم دقيق للأمر ..
"فهمّتى العلياء تأبى أن ترى محبوبها فى ذا الخيال المرجف "هو خيالك ..
والله ورسوله أعلم .
avatar
alhadifi

ذكر عدد الرسائل : 418
العمر : 62
الموقع : لم يوجد بعد
العمل/الترفيه : محب لله
المزاج : ثائر
تاريخ التسجيل : 21/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف رضوان في الإثنين 21 يونيو 2010 - 17:43

قال شيخنا رضي الله عنه : ,,أعطاني ربّ نوصّل المريد في مذاكرة ولكن أخاف عليه السّلب،،

هل الوصول معناه بداية الكمال ؟
avatar
رضوان

عدد الرسائل : 220
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 11/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الإثنين 12 يوليو 2010 - 15:28

وطهّر بيتي للطّائفين...:

قال تعالى: {وطهّر بيتي للطّائفين والقائمين والرّكّع السّجود} (26الحج).
اُلإشارة بالبيت هي قلب المؤمن، طهّره من كلّ ما يكره الملك من الحقد على الغير والحسد والعجب والرّياء...
والطّائفين والرّكّع السّجود هم الملائكة ...
إلى متى، تجد فقير متعطّل عن السّير ؟ هل هو لا يذكر ؟ لا بل يذكر في غاية ما يكون ، هل هو غير صادق ؟ لا بل صادق ، إذن أين العيب؟
الأمر يا إخواني ليس في الذّكر والصّدق فقط، بل في ما يحمله ذلك القلب من صفات يكرهها الملك جلّ جلاله من الحقد والحسد والبغض والعجب... هل المسألة إزالة الخواطر فقط ؟ وما بعد الخواطر ؟ الحجّ مغفرة ورحمة صحيح وماذا بعده ؟ عمل وكدّ وحفاظ على منّته عزّ وجلّ على عبده. لا بدّ من تطهير القلب ممّا يكره الملك .
يأتي الملك ليدخل بيته، والقلب بيت الرّبّ، فيجد الأوساخ أمام البيت، فكيف بها إذا كانت في البيت؟ هل يدخل؟ بالطّبع لا، ولكن هذا القلب ينتظر شيئين، إمّا أن الملك لا يدخل وهذه كارثة والعياذ باللّه، وإمّا أن ينزّل عليه العقوبة .
في تطهير هذا القلب أو هذا البيت ممّا يكرهه الملك السّعادة الأبدية.
ولا تأتي التّحلية إلاّ بعد الـتّخلية، خلاء القلب تأتي بعده التّحلية والسّعادة الأبدية..
{قد جاءكم من اللّه نور وكتاب مبين. يهدي به اللّه من اُتّبع رضوانه سبل السّلام ويخرجهم من الظّلمات إلى الـنّور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} (16 المائدة).
فليعمل الفقير بهذا الكلام وسيرى كيف السّير. وربّ يوفّقنا ...آميــــن.


_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف محمد في الإثنين 12 يوليو 2010 - 18:25

أبو أويس كتب:وطهّر بيتي للطّائفين...:

قال تعالى: {وطهّر بيتي للطّائفين والقائمين والرّكّع السّجود} (26الحج).
اُلإشارة بالبيت هي قلب المؤمن، طهّره من كلّ ما يكره الملك من الحقد على الغير والحسد والعجب والرّياء...
والطّائفين والرّكّع السّجود هم الملائكة ...


قيل يصبح الوجود كله بيته و (طهارته (لا ترى فيه سواه حتى يحلى و يصفو الطواف (بمعانيه) والقيام التام والسجود الدائم )
والله اعلم
avatar
محمد

ذكر عدد الرسائل : 651
العمر : 53
المزاج : إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها ففـــــــي وجـه مـن تـهـوى جـمـيـع الـمـحـاســـــــــن
تاريخ التسجيل : 10/02/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف محي الدين في الجمعة 16 يوليو 2010 - 12:28

جازاكم الله الف خير. نورتم قلوبنا نور الله قلوبكم.
avatar
محي الدين

ذكر عدد الرسائل : 38
العمر : 33
الموقع : أبها...المملكة العربية السعودية
العمل/الترفيه : أستاذ تعليم عالي
تاريخ التسجيل : 13/01/2008

http://genealogy.math.ndsu.nodak.edu/id.php?id=187774

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الثلاثاء 20 يوليو 2010 - 0:56

ويؤثرون على أنفسهم

قال تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون} (9الحشر).
هذه الآية تكتب بماء الذّهب . قال صلى الله عليه وسلم :’’بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق’’(رواه الحاكم في مستدركه)
ومن بين الأخلاق التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيـثــار وسبب نزول قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’من يضم أو يضيف هذا‘‘ فقال رجل من الأنصار أنا فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ’’ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما‘‘ فأنزل الله {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} (رواه البخاري)
وإن كان الضّحك مستحيل عن الله عزّ وجلّ وكــنّى بالضّحك على تمام الرّضاء. وقيل نزلت هذه الآية لأنّ أحد الصّحابة أُتي له برأس مشوي هدية فقال: قبلت الهدية ولكن أحملوه إلى فلان فإنّه أحوج منّي، فذهبوا به إليه فقال لهم مثل مقولة الأوّل وهكذا إلى أن طافوا به سبعة بيوت من بيوت الصّحابة رضي الله عنهم ورجع الرأس المشوي للصحابي الأوّل . وقيل نزلت في جماعة من المجاهدين وكان أحدهم له إبن عمّ جريح في المعركة سمعه يـئــنّ فحمل إليه إناء ماء فأمره أن يسلّمه إلى الذي يليه وهو يرى أنّه أحوج إليه منه فطاف هذا الإناء على أربعين جريحا كلّ منهم يؤثر صاحبه وهم على أنفاس الإحتضار فما رجع الإناء لأوّلهم إلاّ وقت فارق الحياة وهكذا وجدوا كلّهم ميّتـــيـن .
بقيت روح الإيثـار من مميّزات هذه الأمّة وهي سارية المفعول جيل بعد جيل.
جماعة صوفية في سياحة أخذ منهم الجوع مأخذا فتلقّاهم أحد ففرح بهم وأتى لهم برغيف مفتت في منديل وشرعوا في الأكل فأطفأ أحدهم السّراج ليستر الجماعة عن أيّهم يرغب ويأكل أكثر، والحمد للّه أكلوا كلهم شبعا ثم أوقد السّراج فوجدوا الأكل على حاله، واتّصف كلّ منهم بالإيثار للآخرين... وهاته الخصال الحميدة مذكورة كذلك في سورة هل أتى {ويطعمون الطّعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا. إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا} (8 الإنسان).
كان لأحدهم ثلاث خبزات فجاءه الأوّل وقال: مسكين، فأعطاه الرّغيف الأوّل ثم جاءه الثّاني وقال: يتيم، فأعطاه الرّغيف الثّاني ثم جاءه الـثـّالث وقال: أسير، فأعطاه الرّغيف الثّالث، وهو يرجو الثّواب الأعلى من الله عزّ وجلّ ألا وهو النّظر لوجهه الكريم . أهذا جزاء لثلاث خبزات ؟
إنّما الجزاء على الرّوح الطّـيـّـبـة والصّبر وغلبة النّفس وإيثار الغير بما في اليد .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :’’إ تّخــذوا عنـد الفقراء أيادي فـإنّ لـهم دولـة يـوم القيـامــة‘‘(السيوطي وأبو نعيم)
وربّ يـوفـّقـنـــا لمــكــارم الأخـــــــــــلاق...آمـيـــــــــــــــــــن.

_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

إنّ لله ملائكة يطوفون...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الأحد 25 يوليو 2010 - 19:31

إنّ لله ملائكة يطوفون...

حديث قدسي مروي في صحيح البخاري ذاكرنا به مـولانا قدس الله سره مرّات متعدّدة وهو قوله صلى الله عليه وسلم:’’إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم ما يقول عبادي قال تقول يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال فيقول هل رأوني قال فيقولون لا والله ما رأوك قال فيقول وكيف لو رأوني قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا قال يقول فما يسألونني قال يسألونك الجنة قال يقول وهل رأوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو أنهم رأوها قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال فمم يتعوذون قال يقولون من النار قال يقول وهل رأوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقي بهم جليسهم‘‘. (أخرجه البخاري)
وفي رواية مسلم: ’’فيقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم قال فيقول وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم‘‘
من المسلّم به أنّ اللّه تعالى قد أحاط بكل شيء علما ويعلم السّرّ والجهر ويعلم الأشياء كلّها قبل وجودها إذن فما هو المقصود من سـؤال اللّه للملائكة؟
المقصود ليس سؤال استعلام وإنما هو لإرشاد الأنام لمزية الذاكرين الكرام، وتورية لما لهؤلاء الناس من مقام.
وكذلك ليري الملائكة منزلة الذّاكرين ويباهي بهم، فهؤلاء هم بني آدم الذين قلتم فيهم أنّهم ليسوا أهلا للخـلافة {وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفـك الـدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إنّي أعلم ما لا تعلمون} (30 البقرة)
قالوا نحن أولى بالخـلافـة من بني آدم ونحن مشتغلون بتسبيحك وتقديسك ونفـعل ما تأمرنا به، وهم يعصونك ويفسدون في الأرض ويسفكون الدّماء ...
قال تعالى: {إنّي أعلم مالا تعلمون} وأعلمهم الله في هذا الحديث، فانظروا الآن ماذا تركـتموهم يفعلون في الأرض يذكرون ويسبّحـون ويـمجّدون ويقـدّسـون...ليقيم عليهم الحجّة بألسنتهم .
أوضح اللـّـه لهم الواقع والحقـيقة قال تعالى: {وعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبـؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقيـن، قالوا سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيـم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السّماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمـون} (33 البقرة) فانقطعت المحجّة وقامت على الملائكة الحجّة، ورغم ذلك أراد الله أن يبيّن لهم حقيقة البشر في هذا الحديث بقوله: من أين أتيتم؟ فهل هو لا يعرف من أين أتوا؟ ولكن ليعترفوا بأنّهم تركوهم على طاعة لا على فساد في الأرض كما قالوا، ثم أراد سبحانه إلى جانب ما اُوضح لهم من أنّهم يقدّسونه ويحمدونه... أن يبيّن لهم أنّهم يفعلون ذلك على غير معرفة بل على غير رؤية، فهل رأوني؟ والجواب على لسان الملائكة: ’’لا والله ما رأوك ، فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشدّ لك عبادة وأشدّ لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا‘‘ وهكذا سؤالهم الجنّة وخوفهم من النّار وكأنّه يقول لهم أولئك من تقولون فيهم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك} فيقيم عليهم الحجّة، ومن نتائجها شهادتهم فيقـول لهم: ’’فأشـهـدكم أنّـي قـد غفـرت لـهم، هم الجلـساء لا يـشقـى بـهم جليسهم‘‘ وفي رواية مسلم ’’هم الـقـوم لا يـشقى بهم جليسهم‘‘ والحمد للّه ربّ العالمين.
وفي هذا الحديث أيضا بيان لمزية مجالس الذكر وفضله عند المولى عز وجل وقد صرّح بهذا سيدي النبيء صلى الله عليه وسلم بقوله: ’’إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا ، قيل: وما رياض الجنّة ؟ قال: حلق الذكر‘‘ (رواه الترمذي) يقول القائل: ما معنى رياض الجنّة ؟ هي رياض في الجنّة وكيف والجنّة كلها رياض؟ فعند أهل البصائر رياض الجنّة هو النّظر إلى وجهه الكريم.
ثم بيّن فضلـه على الـذّاكرين ومزية نهاية الاجتماع وهي المغفرة بقوله: ’’فأشـهـدكم أنّـي قـد غفـرت لـهم، يـقـول ملـك من المـلائـكـة: فيـهـم فـلان ليس منهم إنّما جاء لحاجة قال: هم الجلـساء لا يـشقـى بـهم جليسهم‘‘ ليبيّن تفضّله على كلّ من حال حولهم وإن كانت النّيّة غير مبيّتة لعظم الأمر وقدره عند اللّه...
وهنا نعلم قيمة الاجتماع على ذكر الله، رحمة مفـعمة ومغفـرة شامـلة لهم ولمن معهم.
يذهب الواحد منّا إلى مـكّة ويجازف بحياته للوصول إليها وللـتّعرّض للـنّفـحة الإلاهية وتشـمـله المغفرة لأنّ في عرفات يباهي المولى الملائكة بالحجيج ففي الحديث القدسي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’ عند الوقوف بعرفة فإن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيباهى بهم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاؤني شعثا غبرا من كل فج عميق يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني فكيف لو رأوني فلو كان عليك مثل رمل عالج أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوبا غسلها الله عنك وأما رميك الجمارفإنه مدخور لك وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة فإذا طفت بالبيت خرجت من ذوبك كيوم ولدتك أمك‘‘(رواه السيوطي).
وفي طواف الإفاضة يضع الملك يده على كتف الحاج ويقول له: ,,اعمل للمستقبل أمّا الماضي فقد اِسترحت منه،،.
أنظر هذه المواقف التي تشدّ إليها الـرّحال وتقطع لها الفيافي والقفار وتفارق لأجلها الأقارب والأحباب، ونجدها نحن قريبة إلينا وهي مجالس الذّكر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا ، قيل: وما رياض الجنّة ؟ قال: حلق الذكر‘‘ (رواه الترمذي)
والإستنتاج بعد معرفة فضل الذّاكرين وكرامتهم على اللّه وفضل مجالس الذّكر أنّ مجلس الذّكر لا يتغـيّب عنه إلاّ محروم ولا ينبغي على العاقل أن يكون محروما بأيّ ثمن وأنّ مقام الذّاكرين لا يعوّض بشيء وكيف ذلك وفي نهايته يُشهد الله ملائكته أنّه تفضّل عليهم بالمغفرة وكذلك لمن جلس معهم، فلو نعرف موطن من المواطن تنزل علينا فيه السّكينة وتغشانا فيه الرّحمة وتحفّنا فيه الملائكة ونرجع منه بالمغفرة فكيف يكون حالنا؟ سنتسابق إليه ونتدافع وندفع فيه الغالي والنّفيس فلو قيل أنّ أحدا بالحامّة مثلا يوزّع أموالا لرأيت الـنّاس وفودا في طريق الحامّة لماذا؟ ليتحصّل على مائة دينار مثلا، وكذلك من قيل له أنّ هناك مجلس من حضره غفر اللّه ذنوبه فهل يتأخّر عنه أحد مهما كان الـثّمن؟ إلاّ إن كان من المحرومين والعياذ باللّه .
{للّذين اُستجابوا لربّهم الحسنى} (18 الرعد) شهادة على مغفرة الكبائر لأنّ الكريم إذا أعطى أجزل العـطاء ورفع عن عظيم آيات جوده الغطاء وكيف لا وهو أكرم الأكرمين، والشّيطان هنا يذهب مكمودا ومضروبا بمطرقة على رأسه لأنّ ذنوبهم قد غفرت، وتجاوز عنها الكريم المنّان... وليس هذا لعبا فالشّيطان يذهب باكيا ومتحسّرا فعلا لأنّ ملك الملوك يصدر قرارا بالعفو التّام... اللّهم اُغفر ذنوبنا جميعا...
يذهب المسلم إلى الحجّ وينفق فيه ما ينفق ويسلّم نفسه للحديد والنّار والحوادث لماذا؟ لأنّه يبحث عن لحظة المغفرة وليحضر مشاهد فيها عفو اللّه ومغفرته ومن بينها مشهد عرفات، يقول فيها: ’’ فلو كان عليك مثل رمل عالج أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوبا غسلها الله عنك ‘‘ والذي يغفر هناك في الحج هو الذي يغفر هنا في المجلـس.
فقيمة اللّقاء والإجتماع على طاعة اللّه شيء عظيم ولا يساويه أيّ عمل...
ولذا رغّبنا سيّد الكائنات صلى الله عليه وسلم في حضور مجالس الذّكر بقوله: ’’إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا ، قيل: وما رياض الجنّة؟ قال: حلق الذكر‘‘ (رواه الترمذي)
وقال صلى الله عليه وسلم : ’’ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه‘‘(رواه مسلم)
هذا بيان مجالس الذّكر والإجتماع على ذكر اللّه وما والاه، فلو يريد اللّه مجازاة الذّاكرين كلّ نعيم الدّنيا لما يكفي جزاء واحد منهم فقط، فلم يقل: أشهدكم عليّ يا ملائكتي أنّي منحتهم الجاه والسّلطان أو المال والصّحة و...،، بل قال: ’’فأشـهـدكم أنّـي قـد غفـرت لـهم‘‘.
في سياحة لقفصة لم أجد فقيرين في اللّقاء فسألت عنهما، محل الشّاهد والإستنتاج أنّ نفسه قالت له: لا تجلس في هذا المجلس لأنّ فيه فلان. أعرض عن مغفرة اللّه ورضوانه لأنّ فيه فلان، وهنا نكتة ظريفة: إستضاف مصري في منزله تونسي ، وكانت زوجة المصري كلّفت زوجها بشراء بعض الحاجيات من السّوق، فوجدت أنّه لم يأتي بكلّ طلباتها فثارت ثائرتها وخاصمته وضربته ،فجلس الرّجل مع ضيفه وهو يبكي ،والتّونسي حاذق وفهيم فأراد أن يخفّف عنه ويواسيه فقال له: أنتم إخواننا المصريّين محظوظين مع زوجاتكم، نحن في تونس زوجاتنا يضربننا ولا يتركننا نبكي، فقال المصري بكلّ اعتزاز :,,أبكي في عينها وعين أبوها،،.
إذن ما يمنعني عن حضور مجالس الأحباب والرّضوان والمغفرة والرّحمة إلاّ النّفس وهي أعدا عدوّ وهي التي تحرمك من كلّ خير...
وكذلك الشّيطان يحرمك ويكبّلك بشريط أو يسلسلك بمسلسل ...
المجالس غُنم ورضوان يأتيها المرء ولو حبوا وقليل فيها، وماشيا على وجهه وقليل فيها.
لم تلههم زينة الدّنيا وزخرفها...
يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولُـه.
وربّ يجعلنا منهم، ويحفظنا ويثـبـّـتـنا على الإيمان الكامل وعلى الإحسان الكامل حتى نلقاه آمنيـــن وربّ يجعلنا نغنم حياتنا بالذّكر...بجاه صاحب المزية صلّى الله عليه وسلّم. آميـــــــن.




_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الأربعاء 4 أغسطس 2010 - 17:18

من آذى لي وليّـا :

مما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ’’إنّ الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افتـرضته عليه وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينّه ولئن استعاذني لأعيذنّه‘‘ (رواه البخاري)
وفي رواية: ’’ من آذى لي وليا فقد استحق محاربتي ‘‘(مسند أبي يعلى)
وفي رواية: ’’كنت له سمعا وبـصرا ويــدا ومـؤيّــدا‘‘(أخرجه الحكيم الترمذي وأبو نعيم وابن عساكر)
الأذية هي كلّ تَعَدّ على الغير ومنه الظلم والشتم والسّبّ وغير ذلك، وليس من الأذية المطالبة بالحقوق الشرعية .
ومن هو الولي؟
إختلف النّاس في معناه وكثر الخبط خبط العشواء على غير رويّة وعلى غير دراية، فمنهم من يعتقـد أنّ الولي هو صاحب الكرامات والخوارق للعادات، ومنهم من يعتقـد أنّ الوليّ هو الزّاهد في الدّنيا المبتذل والذي يظهر عليه الـتّقشّف في أكله وملبسه، ومنهم من يعتقـد أنّه الذي تظهر علي يديه الكرامات. وكثرت الآراء في الـتّعريف بالولي واختـُـلِـف فيه وكلّ ذهب إلى مذهب وكلّها تعاريف بالرّسم إلاّ ما عرّف به الله عزّ وجلّ والله يقول: {فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرّسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (51 النساء)
إذن فما هو الطّريق لهذه الولاية ؟
إذا رجعنا إلى القرآن نجد المولى عزّ وجلّ حدّد خصوصية في الولي وهو القول الحقّ فيه: {ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتّقون} (63 يونس) فمن توفّرت فيه هذه الخاصّية فذاك هو الولي، وهي الجمع بين أمـرين هامّين أساسين وهما: الإيـمـــان والـتـّـقــــوى.
إن لم يكن إيمان لم تكن ولاية، وإن لم تكن تقوى لم تكن ولاية.
وفي هذا المعنى يقول شيخ شيوخنا الإمام الـشّـاذلـي رضي الله عنه :,,ما ثـمّ كرامـة أعظم من الإستقامـة فإذا رأيتم الـرّجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تغترّوا به حتى تنظـروه عند الأمـر والـنّهـي فإن وافقـت أقوالـه أعمالـه وإلاّ فاُضـربوا به عرض الحائط فهو مفتر كذّاب ذو خلل وخطاء في الإعتقاد ،، فجعل رضي الله عنه المقياس هو الإستقامة .
وبقدر ما يتوغّل العبد في التقوى والإيمان تزداد درجة ولايته وإن إختلفت درجة العباد في التقوى إختلفت مقاماتهم في الرفعة، وأقل درجة في الولاية هو أن يقول ,,لاإلاه الاّ الله محمد رسول الله،، مؤمنا بها مع تقوى الله عزّ وجلّ، واختلفت التّعابير فمنهم من يقول صوفي ومنهم من يقول صالح ومنهم من يقول ولـيّ .
ولهذا كانت الكرامة لا تؤخذ في تعريف الولـي لأنّ الكرامة أمر خارق للعادة تظهر على من يشاء من عباده، وهذا الأمر قد يظهر عـلــى يـد الـصـّـالـحـيـن وقد يـظهـر على يد الـفـسّــاق والـفـجـّـار، فإن كـان على يـدّ الـفـسّــاق فـذاك استـدراج قال تعالـى:
{والذين كذّبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} (182 الأعراف).
يقول سيدنا علي كرم الله وجهه: لا تقوم الساعة حتى تصير أعمال أهل الباطن بيد الكفرة من أهل الظاهر، ولهذا لا يكون عنوانا ودليلا على الولاية، وإن كان على أمر صالـح فصاحبها إن كان مـدّعيا الـرّسالة فهي الـمعـجزة وذلـك تـصديـقـا له وإن كان صالحا غير مـدّعي الـرّسالة فهي الكرامة، والكـرامة الحسّية لا تـؤخـذ في تعريـف الـولـيّ، وكـذلك أحـبـاب اللـّه يـتـطـيّـرون منها ولا يحـبّـونـها فهي لهم كالحـيضـة للـنّسـاء غير مرغوب فيها ولكنّها تأتي قسرا، وإنّما لا يحبّونها مخافة افـتـتـانهم بها أو افتتان الناس بهم.
أمّا إذا كانت الكرامة معنوية كالواردات والفتوحات الرحمانية الصّافية وكالمعرفة بالله فهي التي تؤخذ في تعريف ومفهوم الوليّ، وهنا الوليّ من نطق بالحكمة ومن ظهرت عليه معرفة اللّـه .
والفرق بين الكرامة والمعجزة أنّ الولي لادخل له في الكرامات ولايشعر بها في كثير من الأحيان، وأمّا المعجزة فللـرّسول دخل فيها فهو يريدها ويطلبها فتكون بإذن الله. ولا يصحّ التعريف بالـولي شرعا إلاّ بالإيمان والتقوى، فالكرامة التي هي علامة على الولاية هي الكرامة المعنوية كالمعرفة ألإلاهية، والولي هو العارف بالله.
والكرامات الحسّية تكثر على المريد في البداية إذا كان صادقا وجادّا في العبادة والتوجّه، ولهذا تختلف عند الأشخاص وبقدر توجّههم وإقبالهم على الله تكثر لهم الكرامات، أمّا الكرامات المعنوية فتكثر على حسب الحال في مقامي الإيقان والإحسان.
وفي هذا الحديث القدسي: ’’...فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينّه ولئن إستعاذني لأعيذنّه‘‘ وفي رواية ’’كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا‘‘ (أخرجه الترمذي وأبو نعيم وابن عساكر)
أحبّ شيء للتّقرّب به إلى الله هو الفرائض ،وفريضة خير من ألف نافلة ،وبعد الفرائض يتقرّب بالنّوافـل بقدر الإستطاعة من كلّ طاعة...فلا يزال يتقرّب حتّى يحبّه اللّـه فإذا ألبسه ثوب المحبّـة كان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سأله أجابه ولئن إستعان به أعانه،يـلـبّـي قوله ويجيـب سـؤلـه .
وإذا أحبّه الله خلع عليه حلّة صفاته فيصير يسمع ما لا يسمع النّاس ويبصر ما لا يبصر النّاس ويكون مستجاب الدّعاء... وأنّ الله تعالى يتولّى أمره ويتولّى الدّفاع عنه، كل ذلك من فوائد المحبّة ألإلاهية.
يحكى أنّ قوما أرادوا الإستسقاء فخرجوا إلى ظاهر مدينتهم وصلّوها فلم يمطروا وأعادوها فلم يمطروا فألهم الله أحدهم وقال: إنّنا لم نخرج معنا فلان، وكان هذا الأخير من تلاميذ الشّيخ أبي يزيد البسطامي رضي الله عنه وكان رجلا رثّ الهندام والهيأة ولا يعبأ به فأخرجوه معهم وصلّوا صلاتهم فتقدّم هذا الرجل للدّعاء وقال: ,,اللّهم بجاه ما في هذا الـرّأس أمطر الـنّاس،، فما فارقوا مكانهم حتى أمطروا بسحاب لم يروا مثله منذ زمان طويل، فتعـجّـبـوا منه ومن مقالته، وسألوه: ما في هذا الرّأس حتّى أُجيب دعائك وأُمطرنا؟ فقال: ,,في هذا الـرّأس عينان رأتا أبا يزيد البسطامي،، فقال أحدهم: أبا يزيد جاري وكلّ يوم كنت أراه. فقال له: ,, رؤيتك لأبي يزيد كرؤية أبا جهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمّا رؤيتي له كـرؤية الـصّدّيق لـرسـول الـلـّـه صلى الله عليه وسلم ،،.
أهل الـمحبّـة بالمحبـوب قـد شـغـلــوا وفي محبّـتـه أرواحهــم بـذلـــــــــوا
بـهـم تسـقـون وبـهـم قـد تـرزقـون، أهــل الـمـحـبّـة عـلـى مـنـابـر مـن نــور يـوم الـقـيـامـة، اللّهم اجـعــلــنـا منـهــم .
في بعض الكتب المنزّلة:’’يا عبدي إنّما منحتك صفاتي لتعرفني بها فإن ادّعيتها سلبتك الولاية ولم أسلبك صفاتي‘‘* الصّوفي سمّي صوفيا لصفاء باطنه من غير الله تعالى لأنّه إستقام في ظاهره وباطنه وطهّر باطنه من شهود غير الله عزّ وجلّ.
صفّـاهم فصفـوا له فقـلوبـهم في نـورها المشكـاة والمصبـاح
وبعضهم ينسب الـتّسمية لأهل الـصّفّـة وهو مكان وراء الحجرة النّبوية كان يجلس فيه المنقطعين لله من الـصّحابة رضي الله عنهم ، ونسب البعض الـتّسمية للبس الصّوف وهو سمة العـبّاد والزّهّاد. وأحسن ما قيل في الموضوع هو من الصّفاء، صفاء الظّاهر بالمجاهدة وصفاء الباطن بالمشاهدة.
كان سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه من الذين يلبسون الفاخر فأنكر عليه بعض العبّاد لعدم لبسه المرقّعات وكان ذلك العابد يلبس المرقّع فقال له شيخنا رضي الله عنه : ,,منظري يؤذن بالشّكر ومنظرك يؤذن بجحود النعمة،، والله يحبّ أن تظهر نعمته على عبده قال تعالى: {وأمّا بنعمـة ربّـك فحـدّث} (11 الضحى) {قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} (59 يونس) {قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق قل هي للّذين أمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} (32 الأعراف) التّقوى ههنا (وأشار لصدره الشريف صلى الله عليه وسلم)
حرّم الـتّبذيـر وحرّم الإسراف في ما لا يحـلّ ولو ملّيما واحدا.
قال بعضهم حين إشتريت درّاجة عند أوّل ظهورها في الجريد أنّ الشّيخ فعل بدعة لإقتنائه وركوبه هذه الدراجة، فقلت لهم لو يأتوا بآلة شخصية تطير بي لكنت من السّبّاقين لشرائها .
قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ’’إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأشار بأصابعه إلى صدره‘‘(رواه مسلم)
يشتري إثنان لحما من نفس الجزار، الأوّل يثاب عليه والـثّاني يؤثم عليه، فالأوّل يتقوّى به في طاعة الله أو يطعم منه مسكينا والثّاني يتقوّى به في معصية الله ويشرب معه الخمر .
الصّوفي حرّ لا يتقيّد، فكن صوفيا قلبك طاهرا من غير الله، ولا تكن هذه دعوى وإنّما مقام مشاهدة تصل إليه بالمجاهدة وليس بالقوّة أو بنفسك إنّما هي المواهب.
حافظ على الفرائض، ففريضة خير من ألف نافلة .
وهذا خلاصة ملف المـحـبّـة يكون الله له سمعا وبصرا ويدا ورجلا ومؤيّدا، وعباد الله في الدّرجات والمقامات مختلفين.
الفراشة تحوم حول الـنّار ولانبهارها بالـنّور تدخل النار فتحترق وتكون نهايتها .
’’ من آذى لي وليا فقد استحق محاربتي ‘‘(مسند أبي يعلى)
اللـّهـم وفّـقـنـا لـمـحـبّـتـك ومـحـبّـة كـل مـن يـحـبّـك ...آمـيـــــــــــن.


_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف منصور في الأربعاء 4 أغسطس 2010 - 23:03

أبو أويس كتب:
الصّوفي حرّ لا يتقيّد، فكن صوفيا قلبك طاهرا من غير الله، ولا تكن هذه دعوى وإنّما مقام مشاهدة تصل إليه بالمجاهدة وليس بالقوّة أو بنفسك إنّما هي المواهب.
حافظ على الفرائض، ففريضة خير من ألف نافلة .
هل منكم سادتي من ينير لنا الفهم من هذه الفقرة ؟
avatar
منصور
مساعد مشرف عام

ذكر عدد الرسائل : 189
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 02/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف الهادفي 2 في الخميس 5 أغسطس 2010 - 7:15

من كان بالله تحرر من كل شيء...

قلت سابقا أن العارف لا يتقيد بمذهب من مذاهب الرسوم بل يجوز حتى لعامة المسلمين التبعيض بين المذاهب يأخذ البعض من هنا و البعض من هناك مثلما أخبر بذلك الشيخ الأكبر بن عربي قدس الله روحه.. فحتى سيدنا الشيخ إسماعيل قدس الله روحه هو شيخ تربية و ليس شيخ شريعة فشيخ العارف في الشريعة هو رسول الله و هو ما زال شيخها منذ كانت .. فلا تجعلوا حضرة الشيخ تحجبكم عن حضرة رسول الله فهذا ليس مراد الشيخ من الفقير..وحتى قوله أن طريقتنا على المذهب المالكي هو مراعات للفقراء المبتدئين و خوفا عليهم من الإنزلاق في متاهات الإختلافات المذهبية فتشغلهم عن اللب الذي هو السير الباطني... أما العارف الواصل الكامل فشيخه في الشريعة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لا غير يأخذ من سنته ما يتطلبه الوارد و الحال و المقال الذي يقتضيه زمانه ..كذلك يبحر فيها بفهمه الرباني و يستخرج منها كنوز المعرفة..

هذا جانب معين من الحرية و أكيد سيدنا الشيخ قصد نواح أخرى روحية لعل بعض ساداتنا يتحفونا بها بفهمهم الرباني إن شاء الله ..

و الله أعلم
avatar
الهادفي 2

ذكر عدد الرسائل : 218
العمر : 49
العمل/الترفيه : مدرس
المزاج : محب الحقيقة
تاريخ التسجيل : 05/05/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف الهادفي 2 في الخميس 5 أغسطس 2010 - 7:29

هو شيخ تربية و ليس شيخ شريعة

طبعا هو عالم شريعة مفتي على المذاهب الأربعة و لكنه ليس إمام مذهب خاص في الشريعة يجب عليك اتباعه في عباداتك و هو لم يقيد أحدا بمذهب خاص في الشريعة و سلوكه هو أصدق دليل على ذلك حيث سيدنا الشيخ يستفتح بالبسملة في الصلاة قبل القراءة بينما ذلك مكروه في المذهب المالكي ..

و الله أعلم 
avatar
الهادفي 2

ذكر عدد الرسائل : 218
العمر : 49
العمل/الترفيه : مدرس
المزاج : محب الحقيقة
تاريخ التسجيل : 05/05/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الأحد 10 أكتوبر 2010 - 19:36

إنّما الأعمــال بالـنّــيــــات:

يقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ’’ إنما الأعمال بالنيات‘‘
وفي رواية: ’’إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه‘‘ (رواه البخاري).
هذا الحديث يسمّى حديث الهجرة ويسمّى حديث أم قيس، وسببه أنّ رجلا أراد أن يتزوّج إمرأة تسمّى أمّ قيس وهي عازمة على الهجرة مع الصّحابة إلى المدينة فشرطت القـبول بالهجرة معها، فقبل الهجرة على أن يتزوّجها، وكان ممّا ذاكر به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذا الحديث لمراجعة الـنّيّات في الهجرة وفي جميع أمور الصّحابة ومن بعدهم من اُلأمّة، فهو حديث عام وركيزة جميع الأفعال والأقوال، ويعتبره العلماء من أعظم الأحاديث ومن أبرز ما يعتمد عليه الدّين من الأحاديث ويصدّرون به كتب الحديث.
العبرة في الـدّين بالمقاصد قال رسـول اللّه صلى الله عليه وسلم : ’’إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم‘‘ (رواه مسلم) فالأعمال رهينة المقاصد وبقدر ما يكون العمل مخلَصا للّه بقدر ما يكون معتبَرا في نظر الشّرع، ويكون العمل من شخصـيـن مماثلا فيجازى عليه أحدهم ويعاقب عليه الآخر وذلك بالـنّظـر إلى القلوب ومقاصدها من ذاك العمل، فإن كان القصد خيرا يثاب عليه وإن كان شـرّا يعاقب عليه، فالإخلاص في العمل سـرّ الـنّجاح، يقول إبن عطاء اللّه الإسكندري رضي الله عنه: ,,الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سـرّ الإخـلاص فيها،، والإخلاص هو تبرئة وتطهير العمل من الشـوائب والعلل والأغراض حتى يكون خالصا لوجـه اللّه {وما أمروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدّين حنفاء} (5 البينة) ويكون على ما أمرت به الشّريعة لا بدعا أو اُستهتارا، ففي صحيح البخاري دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فدخل رجل فصلى فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد وقال: ’’ارجع فصل فإنك لم تصل‘‘ فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ’’ارجع فصل فإنك لم تصل‘‘ ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال:’’إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وافعل ذلك في صلاتك كلها‘‘ (رواه البخاري) وقوله: ’’ ارجع فصل فإنك لم تصل‘‘ ثلاثا، لأنّه أخلّ بأركانها ولم يأتي بها كما شرعت.
إذن الإخلاص هو مـخّ العبادة وسـرّها، وهو أن يأتي العبادة إمتثالا للّه لا خوفا من العقاب ولا طمعا في الثّواب.
الـصّحّة والسّلامة والإستقامة في كون الوجهة هي القبلة والكعبة الـرّوحية للصّوفي، سأل أحد الصحابة رضي الله عنهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما القتال في سبيل الله فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية فرفع إليه رأسه وقال له: ’’من قاتل لتكون كلمة الله هي الله العليا فهو في سبيل الله‘‘ (رواه البخاري) قال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدّنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} (20 الشورى)
أرجو اللّه أن يخلّص أعمالنا وأقوالنا من كلّ العلل حتى تكون خالصة لوجهه الكريم...آميـــــــــن.

_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الخميس 14 أكتوبر 2010 - 21:22

الثّبات على المبدأ من أجلّ الصّفات في المريد
يقول شيخنا قدّس اللّه سرّه: ,,الثّبات على المبدأ من أجلّ الصّفات في المريد،،
ويقول:,,ليس المريد من تقرّبه نفحة وتبعده لفحة، إنّما المريد مريدا على كلّ حـال،،
السّائر في طريق اللّه كراكب البحر فهو بين مـدّ وجزر أو نقول بين جمال وجلال، وليس مريدا من إذا صادفه الجمال يطمئنّ به ويرتاح له ويسير وإذا لقـيه الجلال ينقبض ويرجع متقهقرا منهزما إلى الخلف والعياذ باللّه، فهذا لا يُطمأَنّ له لأنّ الجمال والجلال مجالي هذا الوجود على المريد وعلى غيره، وعلى الكافر والمؤمن سواء قال تعالى:{ولا تهنوا في اُبتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون وترجون من اللّه ما لا يرجون وكان اللّه عليما حكيما} (104 النساء).
الفقير عبد للّه في سائر الأحوال وشأن العبد الصّادق أن يكون عبدا على كلّ حال سواء كان سيّده في جمال أو في جلال فهو دائما واقفا موقف العبودية والخضوع والـرّضاء فما يجري من اللّه فهو إحسان، وليس العبد من يأبق إن كان سيّده في جلال...
فالفقير دائما فقير سواء صادفه الخير أو الضّير. والعبد لا يفارق وصفه وهو العبودية .
أحد عبّاد بني إسرائيل طلب من سيّدنا موسى عليه السّلام أن يسأل اللّه عزّ وجلّ عن شأنه عنده هل هو مقبول عند اللّه أم لا؟ وبعد مدّة أعلمه سيّدنا موسى عليه السّلام أنّ اللّه قال له: ,,إعمل أو لا تعمل فإنّك من أهل النّار،، فما كان من هذا العابد إلاّ أن اجتهد في العبادة ليلا نهارا قائلا: ,,أنا عبده أحببت أم كرهت أمرت بالعبادة فلن أتخلّى عنها، واللّه سيّدي ومـولاي أحببت أم كرهت وله الإختيار في عبده يضعه أين يشاء وأحمد اللّه أنّي عشت على الطّاعة وغيري على المعصية والطّاعة خير من المعصية،،.
وبعد مدّة جاءه سيدنا موسى عليه السّلام وقال له: ,,أبشر فإنّ اللّه يقول لك: إعمل أو لا تعمل فإنّك من أهل الجنّة،،. وهذه فعلا هي العبودية الحقيقـية.
قالت السّيدة رابعة العدوية:
كلّهـم يـعبـدوك من خـوف نــار ويـرون النـّجـاة حـظّـا جزيـــلا
ليس لي في الجنان ولا النّار رأي أنـا لا أبـتـغي بحـبّـي بـديـــلا
وقال غيرها: فإن يثب فبمحض الفضل وإن يعذّب فبمحض العدل.
وربّ يوفّقنا للسّير المرضي ويجعلنا من الثّابتين على عبوديته في كلّ حال ومن الذين قال فيهم {إنّ الذين سبقت لهم مـنّا الحسنى أولئك عنها مبعدون} (101 الأنبياء)...آميـن.

_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اليد العليا خير من اليد السّفلى:

مُساهمة من طرف أبو أويس في الإثنين 18 أكتوبر 2010 - 21:34

اليد العليا خير من اليد السّفلى:

قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:’’اليد العليا خير من اليد السفلى فاليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة‘‘ (رواه البخاري)
على عهد مولانا الأستاذ إمامنا سيدي محمد المداني قدّس الله سرّه ومتّعنا وإيّاه بالنّظر الكريم كنّا في سياحة من سياحاتنا للزّاوية وكان الطّقس حارّا، خرج سيدنا الشيخ وقعد أمام الدار في الظّلّ والهواء بحري بارد، وكنّا معه مجموعة من الفقراء أذكر منهم سيدي عبد الرحمان النّيفر، فجلست بجانب سيدنا وبدأ يذاكر على آثار سادتنا وما عملوه في الزّاوية وكانت أمامنا بيت للسّيّارة فقال: هاته البيت أقامها فلان الفلاني (وذكر اسمه) على نفقته، وسيدي فلان الفلاني أقام باب الزاوية على نفقته وكان في ذلك التّاريخ بأربعين ألف، وآخر أقام قبو السّقيفة على نفقته، وعدّد ذكر آثار سادتنا الفقراء في الزّاوية.
فكلّمته بلغة القوم:سيدي ’’اليد العليا خير من اليد السّفلى‘‘وأقصد أنّ الزاوية تنفق الباقي ونحن ننفق الفاني. فأجابني: حتى اليد السّفلى عندها فضل ثم سكتنا، وبدأ حديث القلوب والأرواح بيني وبينه، قلت متسائلا: ما هو الفضل في اليد السفلى؟ فجاء الجواب: فضل اليد السّفلى حسن الاستعداد، وغصت أنا في حسن الاستعداد، فبما قدّمته من أعمال جليلة جعلت منها ذاتا مستعدّة للإمدادات الرّبّانية، يقول سادتنا الصوفية: ,,على قدر الاستعداد يكون الإمداد،،.
فإلى الآن وتلك المذاكرة تنفق على العبد الضعيف.
حسن الاستعداد طريق الإمداد.
حسن الاستعداد يجلب الإمداد.
ومثال لهذا: أحد يبيع الزيت الصّافي العال، وأتوا إليه جماعة لشراء الزيت، فالأول لاشيء معه، والثاني أتي بغربال، والثالث أتى بكيس ,,خيشة،، والرّابع أتى بـقارورة والخامس أتى بماعون خمسة لترات والسادس أتى ببرميل مئتي لتر.
فما هو موقف بائع الزيت أمام هؤلاء السّتّة الذين يريدون الزيت ؟
سيقول للأول أحضر آنية وتعالى أعطيك الزيت وللثاني غير معقول أعطيك الزيت في غربال وللثالث كذلك وربّما يوبّخه، وللبقية يعطيهم على قدر آنيتهم. ويأخذ كل واحد منهم على قدر استعداده.
فمنهم من يقف موقف التّوبيخ والإهانة ومنهم من يقف موقف الشكر والإحسان.
ماذا نستفيد من هاته المذاكرة؟
يدخل الناس لطريق القوم أفواجا ولكن كل منهم يأخذ على قدر استعداده، فالموزّع والمعطي والمتفضّل هو الله جل جلاله ويعطي لكل إنسان على حسب ما أهّله الله له، يقول صاحب الحكم رضي الله عنه :,, إذا فتـح لـك وجـهـة من الـتّعرّف فلا تـبـال معـهـا إن قـلّ عملـك فـإنّـه مـا فـتحـها لـك إلاّ وهو يريـد أن يتعرّف إليك، ألم تـعلم أنّ الـتّعرّف هـو مـورده عليك والأعمال أنت مـهديـها إليه وأين ما تـهديـه إليـه ممّا هـو مـورده عليك،،
فضل الله ليست له نهاية ولهذا يقولون: ,,إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك،،
جاءني فقير وهو سيدي علي الشّبيكي وسألته عن ذكره فوجدته ماشاء الله قطع أشواطا ويا لها من أشواط في فترة وجيزة تطول عند غيره فقلت له: بارك الله فيك هكذا هكذا وإلاّ فلا، هكذا الرجال وإلاّ بلاش...
وجاءني آخر من نفس البلد من عام 1967 إلى الثّمانينات وهو على حاله ودار لقمان على حالها وجاءني أخوه وقد أخذ الطريق من ثلاث سنوات فقط صافي مائة في المائة والحمد لله فهذا مستعدّ فعلا فأمدّه الله...
{ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما} (147 النساء)
على قدر ستعداد الفقير يكون إمداده من العليم القدير.
جاءني مرّة سيدي إبراهيم السّوفي بصينية شاي صغيرة وزربية وقال: هذه لتشرب فيها الشاي وهذه لتجلس عليها، وعند إسئذانه قال لي: لاتنساني، فقلت له:( أنت عفريت وشاطر لأجل كتّفتني وجبتلي شاغلة أتفكّرك كلما أجلس على الزربية وكلما يضعوا الصينية أمامي وتقول لي لا تنساني؟ )
هذا كلّه ما جعلنا نتسابق، وسادتنا الفقراء كلّهم ليس فيهم أخير، وكل منهم يريد أن يركّز مكانته في قلب شيخه، وهذا ما جعلهم يقيمون المشاريع الخيرية على نفقتهم لتكون على حياة أو ممات صدقة جارية، وكل من رأى مصلحة قد جاء وقتها لا يستشير فيها شيخه فهي أوّلا وأخيرا إرضاء لله فضلا عن شيخه، لأنّ الزاوية ليست لمحمد المداني وإنّما لله ومن والاه، فهي إلى الآن للفقراء يذكرون فيها صاحب المنّ والعطاء وإن لم يأسّسوها وتبقى لأجيال لاحقة والحمد لله.
في سياحة من سياحاته رضي الله عنه مرّ بقابس ومنها جاء إلى توزر، كنت جالسا معه وحدي قال لي: سيدي الشيخ إسماعيل الفقراء حالهم عجيب في سياحتنا لقابس قال لي فلان: سيدي الشيخ لا يساعدنا سفرك على النّقل العام وأنت تعاني من أمراض شفاك الله منها تلزمك سيارة خاصة لسياحاتك وقضاء مصالحك، فقلت له: الزاوية غير مستعدّة لهذا والله يقدّرنا عليها، فقال: إنّا نترقّب الإذن منكم، قلت له: إنّكم مأذونون، وهنا قلت له: سيدي الشيخ أنا لا أسدّ الباب على إخواني فهذا سهمي ثمانون دينار، ولما رجع رضي الله عنه إلى الزاوية وجد السّيّارة من نوع تراكسيون مستعملة 5000 كيلومتر ب 350 دينار.
وجاء فلان الفلاني وقال: بيت السيارة على نفقتي. وفي منزل تميم قال سيدنا الشيخ رضي الله عنه: أنا ماذا أفعل بالسيارة ولا أعرف سياقتها... فتكلّم سيدي كيلاني اليزيدي وقال: لي أربعة أبناء مولدي وطاهر وعيسى... مولدي ميكانيكي وسائق ومن هذا التاريخ فإنّي وهبته للزاوية... ودخل إلى أمّه وقال لها: إنّي وهبت إبننا للزاوية، وأشتغل سيدي المولدي إلى بعد عامين من وفاة سيدي الشيخ رحمه الله في الزاوية.
وبالعملية هذه وأمثالها كل من نقش إسمه على مرآة قلب سيدنا الشيخ رضي الله عنه فهو في أعيننا وفي قلوبنا.
ليس العمل هو الموصّل ولكن فضل الله وعلى قدر الاستعداد يكون الإمداد.
’’إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم‘‘(رواه الترمذي)
قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ’’إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأشار بأصابعه إلى صدره‘‘(رواه مسلم) وقال صلى الله عليه وسلم: ’’لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال لا ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة‘‘(رواه البخاري).
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه قالت عائشة يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: ’’يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا‘‘(رواه مسلم).
أي ليس قصدي المغفرة فقط إنّما ما أنعم الله عليّ من نعم عظيمة فأريد أن أقف موقف الشّاكر لأنعمه.
اللهـم فـيـنا ومـنّا قلـوب مستـعـدّة لتلقّي إمدادك، اللهـم وفّـقـنـا لـنكـون في استعداد تام لـتـلـقّي إمدادك بجاه رسـول الله صلى الله عليه وسلم...آميـــــــــن.

_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف أبو مهدي في الثلاثاء 19 أكتوبر 2010 - 15:52

[كل من نقش إسمه على مرآة قلب سيدنا الشيخ رضي الله عنه فهو في أعيننا وفي قلوبنا/quote]
هنيئا لهم
اللهم اجعلنا ممن اطلعت عليهم بقلوب أوليائك فذكرتنا معهم بذكرك لهم
فنالنا من بركتهم و فضلهم سواء ان غبنا عنهم أو كنا بقربهم
اللهم اجعلنا بأحضانهم و في كنفهم
avatar
أبو مهدي

ذكر عدد الرسائل : 143
العمر : 42
الموقع : في كنف الحبيب
العمل/الترفيه : الصلاة على النبي
المزاج : اللهم امزجنا بحبك
تاريخ التسجيل : 25/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قد أفلح من زكّاها

مُساهمة من طرف أبو أويس في الثلاثاء 2 نوفمبر 2010 - 21:16

قد أفلح من زكّاها

   قال تعالى: {ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها} (10 الشمس)  هذا فيه صراحة وأنّ الفلاح يتوقّف على تزكية النفس {قد أفلح من زكّاها} وتزكيتها بمعنى تطهيرها {خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها وصلّ عليهم إنّ صلواتك سكن لهم والله سميع عليم} (103 التوبة)
    تهذيب النفس وتطهيرها من أنجاسها وكـفّها عن عوائـدها وآفـاتـها ذلك أساس الفلاح والنّجاح، وفي الحكم: ,,لولا ميادين النفوس ما تحقّق سير السّائرين،، وتصبح النّاس ((كِيفْ كِيفْ)) لولا تزكية النفوس ومغالبتها بالعمل بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم . وإذا كان هذا هو أصل النجاح وأساس الفلاح فعدم تزكية النفس وعدم السّعي الحثيث في سبيل مغالبتها على العمل بالكتاب والسّنّة هو أساس الخيبة وأصل الخسران والعياذ بالله.
والـنّاس قسمان قسم حرص على تهذيبها وهم الفائزون الفرحون برضوان الله، وقسم ترك نفسه وهواها وهم الخاسرون، لأنّ أوّل مراحل النفس تكون أمّارة بالسّوء لأنّها لم تروّض في ميادين الطاعة فهي في خضمّ دنيوي (هَايِـجْ مَايِـجْ).
     والذي تقتضيه حكمة الله عز وجل أنّ كل غريزة لها حكمة بالغة وتبدأ الغرائز في طلب مقتضياتها والنفس في بادىء الأمر تكون مفتونة في هذا الخضم ولا رادع يكفّها ويرجعها للجادّة وهي ميّالة بطبعها لشهواتها ورغباتها ولهذا كانت أمّارة بالسّوء، فإذا شرع  الإنسان في تطهيرها وتهذيبها تتحوّل إلى لـوّامة فـتلـوم صاحبها عندمـا يأتي المخالفة وفرق بين هذه وبـين التي تأمر بالمخالفة، ولهذا أقسم الله بها{ولا أقـسـم بالـنّفـس اللّـوّامـة} (2القيامة) لأنّها مشت خطوة في طريق الصّلاح والتّهذيب والتزكية فإذا واصل السير على هذا المنوال ومعاكستها فيما فيه الخير والصلاح تلبس جبّة ثالثة وتتحلّى باسم جديد ,,ملهمة،، {فألهمها فجورها وتقواها} فترى الخير خيرا فتتبعه وترى الشّرّ شرّا فتجتنبه، ثم تلبس جبّة رابعة وهي الطّمأنينة {يا أيتها النفس المطمئـنّة} فتطمئنّ للطّاعة وترتاح فيها وتواصل السير في هذا الطريق، وبعد الإلهام والركون للطّاعة والإطمأنان لا تجد حرجا في إتّباع الطّريق السّوي ويأتيها الخطاب الإلاهي {يا أيتها النفس المطمئـنّة إرجعي إلى ربّك راضية مرضية} (27 الفجر) حلّة خامسة وسادسة وهي راضية ومرضية، ثم كاملة وهي السابعة، وأين صاحب النفس الكاملة من صاحب النفس الأمّارة والذي قال فيه عز وجل:
{وإذا قيل له إتّق الله أخذته العـزّة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد} (206البقرة)
ولهذا يقول البوصيري:
      وخالـف النفس والشيطان وأعصهما    وإن هـمـا مـحّضاك الـنّـصـح فاتّـهـم
فإنّها كالشيطان لا تأمر إلاّ بمنكر ولا تنهى إلاّ عن معروف، وفي بعض الأحيان تزيّن لك الطّاعة وهي تريد أن تخدعك، مثل ما وقع لسيدي محمد بن قويدر الذي زيّنت له نفسه طاعة الـتـّفـكّر وهو مستحب لتضرب بها فريضة العصر وتـؤخّرها عن وقـتهـا. ومثال ثاني في مجاهدة النفس الذي لا يأتي إلاّ بخير قصّة الصّحابي والرّاهب النصراني الذي يعلم المغيّبات.
فهذا الرّاهب المخبر بالمغيّبات سمع به أحد قوّاد جيش المسلمين وقال: أيكون هذا في غير دين الإسلام؟ فسأل عنه وتوجّه إليه وعند وقوفه أمام باب الصومعة التي يتعبّد فيها فتح له الرّاهب الباب وقال له: أنت فلان الفلاني جئت تسأل عن كذا وكذا؟  قال له: نعم، وبما وصلت لهذا العلم؟ فقال له الراهب: إنّي علمت أنّ النفس سبب كل بلاء وكل سوء مصير فعملت على مخالفتها، فكل ما يعرض عليّ أعرضه على نفسي وآخذ بعكس ما تريد، فهذا هو سـرّ  الإعلام بالمغـيّبات. فقال  له القائد: فإنّي أعرض عليك الدخول في الإسلام فما رأيك؟ فقال له الراهب: انتظرني قليلا، ثمّ دخل الصومعة وبعد قليل خرج وقال له: إنّي مستعدّ للدخول في الإسلام فقد عرضت على نفسي هذا العرض فرفضت وابتعدت، وها إنّي أخالفها وأدخل الإسلام، فانظروا إخواني نتائج مخالفة النفس والهوى فهو لا يؤدّي إلاّ للخير والسّلام.
وفي الحكم :,,أيّ علم لعالم يرضى عن نفسه وأيّ جهل لجاهل لا يرض عن نفسه،، فإذا لم يرض عليها بعُد عن طرق الشّرّ كلّها. أعظم زاد يتسلّح به الفقير في طريق الله هو مخالفة النفس ولهذا قال تعالى: {قد أفـلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها}    
   اللهم غلّبنا على أنفسنا ولا تسلّطها علينا طرفة عين.

تعقيبـا على المـذاكـرة قال رضي الله عنه :
  في بعض الأحيان نعيد المذاكرة العديد من المرّات لماذا؟
لأنّ في المجلس من هو في حاجة إليها، فالطبيب يأتيه المريض الأول فيعطيه الأنسلين مثلا ويأتيه المريض الثاني فيعطيه كذلك الأنسلين، فهل نقول أنّ هذا الطبيب ما عنده إلاّ هذا الدواء؟ طبعا لا، وإنّما المرض متشابه عند هاذين المريـضين .
لا أنسى مذاكرة ذاكرنيها سيدنا الشيخ رضي الله عنه في سياحة من سياحاتنا في آداب المريد ، (قصة سيدي أبو القاسم الجنيد مع الفقراء وشيخه) قال شيخه له حين سلّم عليه الفقراء من قيام :,,أدّبتهم آداب الملوك يا أبا القاسم،،  أي ملوك العناية.
قال شيخنا رضي الله عنه :,,آداب المريد عندنا لا توزن عليّ ولا نوزن عليك،،
        يــــأتــي مـقــيـّـد فـاني مـجـــرّد    مـن طـلـب يـرد يـرضى بـالـقـتــلا
لأنّـه أتى ليربـح ويسير مع من يسير لا ليلـقّط عيوب النّاس.
قال لي سيدي محمد المداني قدّس الله سرّه:,,يا سيدي إسماعيل لو كان الفقير اللّي يخالف نسقّطوه لا يبقى شيخ ولا فقراء حتى روحي نسقّطها لأنّي أخوهم بشر أخالف مثلهم، فكلنا بشر نخالف،،.
(إثر هذه المذاكرة وبعد خروج شيخنا رضي الله عنه وجدتُ أحد الفقراء المقيمين بالزّاوية يبكي فسألته عن ذلك فأجابني بأنّه اعترض بقلبه عن شيخنا في مذاكرته لأنّه أعادها مرّات في مدّة وجيزة  وأنّه المعني في ملحق المذاكرة بإنكاره هذا)


عدل سابقا من قبل أبو أويس في الخميس 5 ديسمبر 2013 - 20:53 عدل 1 مرات

_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قيّدوا نعـم الله بـالشّكـر:

مُساهمة من طرف أبو أويس في الجمعة 12 نوفمبر 2010 - 22:17



يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’قـيّــدوا نعـم اللـّـه بـالـشّــكـــر‘‘(رواه أبن أبي الدنيا والبيهقي)
نعم اللّـه على العباد لا تعــدّ ولا تـسـتـقـصى قال تعالى: {وإن تعـدّوا نعـمة اللـّـه لا تحصوها إنّ اللـّـه لغفور رحيـم} (18 النحل) قال شيخـنـا رضي الله عنه : ,, إن أردنا إحصاء نعمة واحدة لا نقـدّرها عـددا ولا مـددا،،
قال تعالى: {وإذ تـأذّن ربّـكم لئـن شكـرتم لأزيـدنّكم} (7 إبراهيم) أي وإذ أعلمكم ربّكم لئن شكرتم على الـنّعم لأزيـدنّـكم منها ولأديمـنّـها عليكم .
قال داود عليه السلام: ’’يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكراً لك مني؟‘‘ فأوحى الله إليه:’’نعم الضفدع‘‘ وأنزل الله عز و جل : {اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور}(13 سبأ) قال رب كيف أطق شكرك و أنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر ثم تزيدني نعمة بعد نعمة فالنعمة منك يا رب و الشكر منك وكيف أطيق شكرك؟ قال : الآن عرفتني يا داود حق معرفتي. (رواه البيهقي).
فـما معنـى الـشّكـر؟

ليس الشّكر كاف بمجرّد قول الإنسان ,,الحمـد للّـه أو الشّكر للّـه،،لأنّ الشّكر ينقسم على ثلاثة أقسـام:
أولا: شكر اللّسان: وهو الثّناء على اللّـه بالجميل على ما أسدى من الجميل الإختياري لأنّ كلّ ما يعطينا هو بمحض الفضل والإختيار ,,لك الحمد مولانا على كلّ نعمة،،ومن جملة نعمائه قولك ,,الحمد للّـه،،.
ثانيا: شكر القلـب: هو رؤيـة النّعمـة من اللّـه وحـده وأنّه لا دخـل لأيّ كان في جلب موائد الإمتنان الإلاهي قال تعالى:{وما بكم من نعمة فمن اللّـه} (53 النحل) فشكرالقلب هو رؤية النّعمة من المنعم وحده وأن لا يراها من عند غيره، نعم توجـد وسـائـط فقد تأتي النّعم بواسطة زيد أو عمرو فنشكر اللـّه ونشكر الواسطة التي جاءت من طريقه وفي الحديث: ’’لا يشكر الله من لا يشكر الناس‘‘(رواه أبو داود). فقول أحدهم لمن أعطاه شيئا: ,,هاته ليس من عندك،،ما هذا الموقف وهذا الـرّدّ، هل هو قال لك: ,,هو من عندي،،؟ بل قل له:,,بارك اللّـه فيك ،، وتأخذها معتقـدا أنّها من اللـّه ومن شُكر المنعم شُكر الواسطة...
ثالثا: شكر الجـوارح: هو صرف النّعمة فيما خلقت له، خلق لك اللّـسان فهو نعمة منه وشكره حين تستعمله فيما خلقه اللـّـه له، خلقه للتّعبير على المقصود المباح وهو ترجمان القلب وخلقه لتعبده به من قراءة القرآن وذكر وتسبيح... وليس للسّبّ وسلب الأعراض والنّميمة والقذف وشهادة الزّور وقلب الحقائق... فهذا في غير ما خلق له، وكذلك جميع النّعم تجتهد فيما خلقها اللّـه لها الأذن لسماع القرآن والمواعظ ومجالس العلم... ليس لسماع المحرّمات... وكوكب الشّرق أو فتنة الشّرق... وخلق العينين لتدلّ بها الطّريق وتنظر بهما للعدوّ والصّديق وكتاب للّـه وفيما يحلّ لهما ليس للنّظر للمحرّم لأنّك تكون جاحدا للنّعم وصرفها في غير ما خلقت له قال تعالى: {قل للمؤمنين يغـضّوا من أبصارهم ويحفـظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إنّ اللـّه خبير بما يصنعـون} (30 النور) وهكذا جميع الجوارح يصرفها فيما خلقت له ويصرفها عن كلّ محرّم، أعطاك المال مثلا لـتـسـتـعـيـن به على دينك ودنيـاك... وليس للـدّخول به في سـوق الظـّلام...
وفّقـنا اللــّـه وإيّاكم لشكره...آميــــن.



_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الثلاثاء 16 نوفمبر 2010 - 22:12


التّشابه بين علاج الأرواح وعلاج الأبدان:

تذاكرنا مرة مذاكرة قلنا: يوجد تشابه كبير بين علاج الأبدان والأشباح وعلاج القلوب والأرواح، أو نقول كلّ ما في الطّبّ الجسماني له إشارات في الـطّبّ الـرّوحاني، بحيث أنّ المريض الجسمي يأتي للطبيب فيفحصه وبعد التثبّت من المرض يزوّده بشيئين وهما الحمية والدّواء.
الحمية:ليحول بين المرض وزيادته أو تأخير شفائه، فالذي يكوّن المرض أو يؤخّر الشفاء يُمنع لأنّه مضاد للمرض، ولأنّ كلّ ما يعوق في طريق العلاج تزيله الحمية.
الدّواء:يعطيه على حسب ما تقتضيه الحالة الصّحّيـة لإزالة المرض الحاصل بالبدن، ثم إنّ الطبيب بعد الوصفة وبيان كيفية الإستعمال يوكّل المريض إلى نفسه، لأنّ جسده أمانة عنده.
 فالمريض إذن له أربع حالات :
1 ــ يلازم الحمية ويستعمل الدواء على حسب وصفة الـطّبيب فهذا يشفى من مرضه بإذن الله.
2 ــ يلازم الحمية ولا يستعمل الدواء، فهذا لا يضمن له الشّفاء وإن كانت الحمية توقف الدّاء إلاّ أنّ المرض الموجود يبقى لعدم إستعمال الدّواء.
3 ــ يستعمل الدواء ولا يلازم الحمية ، فهذا كذلك لا يضمن له الشّفاء لأنّ ما يزيله الدّواء يجلبه الـتّهمّـج وعدم الـتّقيّد بالموانع فيبقى المرض.
4 ــ لا يستعمل الدواء ولا يلازم الحمية، فهذا يستفحل فيه المرض ويهلكه ويلقى حتفه.  
    وكذلك في الـطّـبّ الـرّوحـانـي أطباء القلوب يأتي لهم المرضى، فهل من دخل الطريق كان قبل ذلك غير مسلم؟  لا طبعا، فالدخول للطريق هو لشيء آخر، فالفقير جاء يشتكي من الحجاب الذي أعاقه عن مطالعة الغيوب وعن معرفة نفسه، وسببه مرض في نفسه ولكن لا يعرف ما هو هذا المرض ويلزمه لذلك شيخا يكشف له عن مرضه ويعطيه الحمية والدواء اللازمين، كمريض العينين فهو في النور ولكن لا يشعر به ولا يراه فهل أنّ النور غير موجود؟ لا طبعا، ولكن الخلل في البصر ويلزمه طبيب يحدّد له طبيعة المرض ويعطيه الحمية والدّواء اللاّزمين.
والإنسان في عالم عظيم ولكن لا يعرف منه القليل ولا الكثير لأنّه محجوب، والقلوب لها ثلاث حالات:
ـ حالة سلامة وصحّة كالبصر السليم ينظر للبعيد والقريب.
ـ حالة رمـد ينظر ولكن لا يحـدّق جيدا ولا يتحمّل النور السّاطع.
ـ حالة عمى تام لا يرى شيئا ممّا يحيط به {فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (46 الحج).
  ومنشأ هذا المرض من المخالفات الشرعية، فمن وقت سنّ التكليف كل مخالفة تخلّف نكتة سوداء على مرآة القلب وبطول المدّة يتكوّن رواق أسود وهو المعبّر عنه بالرّان ,,كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون،،(14المطففين) وهذا المرض يُعطى له الحمية والدّواء :
الحمية: المعاهدة على  تقوى الله في السّرّ والعلانية قال e : ’’ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم‘‘(رواه مسلم)  
الدواء: وهو الـعلاج الذي يزيل الـرّان ويتمثّل في ذكر الله عز وجل قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب} (28 الرعد). {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَا وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (45 العنكبوت)
فيُعطى من الأذكار ما يناسبه لأنّه خير صقال للأدواء القلبية كما قال شيخنا t .
 ذكر الإسم الأعظم يُعطى لعلاج الرّان الموجود وإزالته، فيتخيّر المريد أوقات الصّفاء كأوقات الفجر والسّحر حينما يكون غيرمتعلّق بشؤون الـدّنيا، ومكان صاف ليس فيه ما يشغل عن الذّكر، ليذكر وهو مستريح ولا يترك الخواطر لأنّها تحول بينه وبين المذكور جلّ وعلا.
          والــــذكــــر خــير صـقــــال مــن الـفـتــــن الـقـلـبـيــــــــة
والحاصل أنّ الفقير إن لازم الحميـة والدّواء وعمل بالتّوجيهات بحذافيرها كما وصف الطّبيب بدون زيادة أو نقصان وأنهى النـّقاط السوداء المتساقطة على مرآة القلب وذكر الإسم الأعظم على الـنّمط الذي شرحناه له تزول عنه كل الأغيار والحجب وتصبح المرآة صقيلة ويرى وجهه فيها كما هو  فيقول: ,,الحمــد لله،،قال رسول اللهe : ’’مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت‘‘(رواه البخاري)  ويصبح يسير في عالم النور. {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما} (147 النساء)
ـــ إن لم يلازم التقوى وهو يذكر فكل ما يزيله الذكر من الرّان يتجدّد بالمخالفات الشّرعية وبذلك تبقى دار لقمان على حالها، ولهذا لا يضمن له الـنّجاح.
ـــ  إن لازم التقوى ولم يذكر أو لا يصدق في الذّكر،الزيادة لا تكون ولكن الرّان موجود، فهذا فلا يضمن له كذلك الشّفاء، وإن كانت التّقوى تحول بينه وبين زيادة الـرّان ولكن لا يرفع عنه الحجاب لأنّه لا يذكر أو يذكر بالخواطر دون دفعها.
ـــ  وإن ترك الإثنين والعياذ بالله يبقى دائما فيخطر الطّمس والطّبع والختم.
فمن أراد الشّفاء والنجاح في طريق اللّه فليلازم التقوى في الظّاهر {تلك حدود اللّه فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود اللّه فأولئك هم الظّالمون} (229 البقرة). وفي الباطن وهي تقوى القلوب فلا يحسد ولا يتكبّر ولا يرائي ولا يحبّ الدنيا بقلبه، بحيث يحافظ على التقوى بجوارحه السبعة، ويذكر كما وصفنا له مع المواظبة على ذكر ما أوتيه من أسماء اللّه بجـدّ واُجتهاد وبانقطاع تامّ إلى اللّه عزّ وجلّ حتى لا يخطر على قلبه غيره، فبهذا إن شاء الله يصل لمرغوبه في أقرب الأوقات {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك} (79 النساء) الفقير حين يؤذن له بذكر الإسم الأعظم يذكر على الصّفة والصّيغة التي بــيـّـنّاها له ولا يسمح للخواطر أن تشغله عن الذكر بل ينقطع لله تعالى انقطاعا كلّيّا فيصبح سائرا ويحلى له الذكر ثم يتحوّل إلى الشوق والمحبّة إلى العشق، وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل:’’إذا كان الغالب على العبد الاشتغال بي جعلت بغيته ولذته في ذكري، فإذا جعلت بغيته ولذته في ذكري عشقني وعشقته فإذا عشقني وعشقته رفعت الحجاب فيما بيني وبينه، وصيرت ذلك تغالبا عليه، لايسهو إذا سها الناس، أولئك كلامهم كلام الأنبياء، أولئك الأبطال حقا، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا، ذكرتهم فصرفت ذلك عنهم‘‘ (رواه المتقي الهندي)        ,,إنّ اللّه لا يدخل قلب إمرء حتّى يفرغ ممّا سواه،،
وقال تعالى:{وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} (75 الأنعام) وتزول عن الفقير في هذا المقام الحجب الظلمانية ويصبح من الناس الذين فتح الله على بصائرهم وتنوّروا بنور الله حتى لا يروا معه غيرا...
اللهم اجعلنا منهم ووفّقنا جميعا للسّير الذي يرضي اللّه والرسول ولتطبيق ما أمرتنا به بحرمة رسولكe آميـــــــن.    
                                     










عدل سابقا من قبل أبو أويس في الثلاثاء 29 أبريل 2014 - 17:24 عدل 1 مرات

_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف سرّي خمّاري في الخميس 18 نوفمبر 2010 - 15:01

أبو أويس كتب:

التّشابه بين علاج الأرواح وعلاج الأبدان:

تذاكرنا مرّة مذاكرة قلنا: يوجد تشابه كبير بين علاج الأبدان والأشباح وعلاج القلوب والأرواح ، أو نقول كلّ ما في الطّبّ الجسماني له إشارات في الـطّبّ الـرّوحاني ، بحيث أنّ المريض الجسمي يأتي للطّبيب فيفحصه وبعد التثبّت من المرض يزوّده بشيئين وهما الحمية والدّواء.
- الحمية : ليحول بين المرض وزيادته أو تأخير شفائه. فالّذي يكوّن المرض أو يؤخّر الشّفاء يُمنع لأنّه مضادّ للمرض ولأنّ كلّ ما يعوق في طريق العلاج تزيله الحمية.
- الدّواء : يعطيه على حسب ما تقتضيه الحالة الصّحّيـّة لإزالة المرض الحاصل بالبدن ثمّ إنّ الطّبيب بعد الوصفة وبيان كيفيّة الاستعمال يُوكِلُ المريض إلى نفسه ، لأنّ جسده أمانةعنده.
فالمريض إذن له أربع حالات :
1 ــ يلازم الحمية ويستعمل الدّواء على حسب وصفة الـطّبيب. فهذا يشفى من مرضه بإذن الله.
2 ــ يلازم الحمية ولا يستعمل الدّواء. فهذا لا يضمن له الشّفاء. وإن كانت الحمية تُوقِفُ الدّاء ، إلاّ أنّ المرض الموجود يبقى لعدم استعمال الدّواء.
3 ــ يستعمل الدّواء ولا يلازم الحمية. فهذا ، كذلك ، لا يضمن له الشّفاء لأنّ ما يزيله الدّواء يجلبه الـتّهمّـج وعدم الـتّقيّد بالموانع فيبقى المرض.
4 ــ لا يستعمل الدّواء ولا يلازم الحمية. فهذا يستفحل فيه المرض ويهلكه ويلقى حتفه.
وكذلك في الـطّـبّ الـرّوحـانـي ، أطباء القلوب يأتي لهم المرضى. فهل من دخل الطّريق كان قبل ذلك غير مسلم؟ لا ، طبعا. فالدّخول للطّريق هو لشيء آخر. فالفقير جاء يشتكي من الحجاب الّذي أعاقه عن مطالعة الغيوب وعن معرفة نفسه. وسببه مرض في نفسه. ولكن ، لا يعرف ما هو هذا المرض. ويلزمه لذلك شيخ يكشف له عن مرضه ويعطيه الحمية والدّواء اللاّزمين. كمريض العينين ، فهو في النّور ولكن لا يشعر به ولا يراه فهل أنّ النّور غير موجود؟ لا ، طبعا. ولكنّ الخلل في البصر ويلزمه طبيب يحدّد له طبيعة المرض ويعطيه الحمية والدّواء اللاّزمين.
والإنسان في عالم عظيم. ولكن ، لا يعرف منه القليل ولا الكثير لأنّه محجوب. والقلوب لها ثلاث حالات :
ـ حالةسلامة وصحّة كالبصر السّليم ينظر للبعيد والقريب.
ـ حالة رمـد ينظر ولكن لا يحـدّق جيدا ولا يتحمّل النّور السّاطع.
ـ حالة عمى تام ، لا يرى شيئا ممّا يحيط به {فإنّها لا تعمىالأبصار ولكن تعمى القلوب الّتي في الصّدور} (46 الحجّ).
ومنشأ هذا المرض من المخالفات الشرعية. فمِن وقت سنّ التّكليف ، كلّ مخالفة تخلّف نكتة سوداء على مرآة القلب. وبطول المدّة يتكوّن رواق أسود. وهو المعبّر عنه بالرّان "كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوايكسبون"(14المففين) وهذا المرض يُعطى له الحمية والدّواء :
- الحمية : المعاهدة على تقوى الله في السّرّ والعلانية. قال :
"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم. فإنما أهلك الّذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم"(رواه مسلم)
- الدّواء : وهو الـعلاج الّذي يزيل الـرّان ويتمثّل في ذكر الله عزّ وجلّ. قال تعالى: {الّذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب} (28 الرّعد). {إِنَّ الصَّلاَةَتَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (45 العنكبوت)
فيُعطى من الأذكار ما يناسبه لأنّه خير صقال للأدواء القلبيّة كما قال شيخنا :
"ذكر الإسم الأعظم يُعطى لعلاج الرّان الموجود وإزالته". فيتخيّر المريد أوقات الصّفاء كأوقات الفجر والسّحر حينما يكون غيرمتعلّق بشؤون الـدّنيا ومكانًا صافيًا ليس فيه ما يشغل عن الذّكر ليذكر وهو مستريح ولا يترك الخواطر لأنّها تحول بينه وبين المذكور جلّ وعلا.
والـذّكــــر خــير صقــــال مـن الـفـتـــن الـقـلـبـيـّـــــة
والحاصل أنّ الفقير إن لازم الحميـة والدّواء وعمل بالتّوجيهات بحذافيرها كما وصف الطّبيبب دون زيادة أو نقصان وأنهى النـّقاط السّوداء المتساقطة على مرآة القلب وذكر الإسم الأعظم على الـنّمط الّذي شرحناه له ، تزول عنه كلّ الأغيار والحجب وتصبح المرآة صقيلةويرى وجهه فيها كما هو فيقول: ,,الحمــدلله،،قال رسول الله "مثل الّذي يذكر ربّه والّذي لا يذكر ربّه كمثل الحيّ والميّت"(رواه البخاري) ويصبح يسير في عالم النّور. {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما} (147 النّساء).
ـــ إن لم يلازم التّقوى وهو يذكر فكلّ ما يزيله الذّكر من الرّان يتجدّد بالمخالفات الشّرعية. وبذلك تبقى دار لقمان على حالها. ولهذا لا يضمن له الـنّجاح.
ـــ إن لازم التّقوى ولم يذكر أو لا يصدق في الذّكر ، الزّيادة لا تكون. ولكنّ الرّان موجود. فهذا لا يضمن له كذلك الشّفاء وإن كانت التّقوى تحول بينه وبين زيادة الـرّان ، ولكن ، لا يرفع عنه الحجاب لأنّه لا يذكر أو يذكر بالخواطر دون دفعها.
ـــ وإن ترك الإثنين ، والعياذ بالله ، يبقى دائما فيخطر الطّمس والطّبع والختم.
فمن أراد الشّفاء والنّجاح في طريق اللّه فليلازم التّقوى في الظّاهر {تلك حدود اللّه فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود اللّه فأولئك هم الظّالمون}(229 البقرة).وفي الباطن ، وهي تقوى القلوب ، فلايحسد ولا يتكبّر ولا يرائي ولا يحبّ الدّنيا بقلبه ، بحيث يحافظ على التّقوى بجوارحه السّبع ، ويذكر كما وصفنا له مع المواظبة على ذكر ما أوتيه من أسماء اللّه بجـدّ واُجتهاد وبانقطاع تامّ إلى اللّه عزّ وجلّ حتّى لا يخطر على قلبه غيره. فبهذا ، إن شاء الله ، يصل لمرغوبه في أقرب الأوقات {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك} (79 النساء). الفقير حين يؤذن له بذكر الإسم الأعظم يذكر على الصّفة والصّيغة الّتي بــيـّـنّاها له ولا يسمح للخواطر أن تشغله عن الذّكر ، بل ينقطع لله تعالى انقطاعا كلّيّا فيصبح سائرا ويحلو له الذكر ثم يتحوّل إلى الشّوق ومن المحبّة إلى العشق. وفي الحديث القدسي ، يقول الله عزّ وجلّ: "إذا كان الغالب على العبد الاشتغال بي جعلتُ بغيته ولذّته في ذكري. فإذا جعلت بغيته ولذّته في ذكري ، عشقني وعشقته. فإذا عشقني وعشقته ، رفعت الحجاب فيما بيني وبينه وصيّرت ذلك تغالبا عليه ، لايسهو إذا سها النّاس، أولئك كلامهم كلام الأنبياء ، أولئك الأبطال حقّا ، أولئك الذين إذا أردتُ بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ، ذكرتُهم فصرفتُ ذلك عنهم" (رواه المتّقي الهندي) .."إنّ اللّه لا يدخل قلب إمرئ حتّى يفرغ ممّا سواه" ..
وقال تعالى:{وكذلك نري إبراهيم ملكوت السّماوات والأرض وليكون من الموقنين} (75 الأنعام). وتزول عن الفقير في هذا المقام الحجب الظّلمانيّة ، ويصبح من النّاس الّذين فتح الله على بصائرهم وتنوّروا بنور الله حتّى لا يروا معه غيرا...
اللّهمّ اجعلنا منهم ..
ووفّقنا جميعا للسّير الّذي يرضي اللّهَ والرَّسولَ ، ولتطبيق ما أمرتنا به .. بحرمة رسولك.
آميـــــــن ...









avatar
سرّي خمّاري

ذكر عدد الرسائل : 52
العمر : 64
تاريخ التسجيل : 09/06/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الخميس 16 مايو 2013 - 22:47

صلّ صلاة مودّع
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’إذا قمت في صلاتك فصلّ صلاة مودّع‘‘ (رواه ابن ماجه والإمام أحمد)
الفهم العام: هو أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم يحثّ المؤمن على إتقان كلّ عبادة يقوم بها سواء كانت صلاة أو غيرها، وإنّما التّنصيص على الصّلاة بخصوصها لما لها من الشّرف لأنّها القاعدة الثّانية بعد الشّهادتين.
والمعنى العام: أتقن كلّ عبادة واُحرص على أن تكون على أحسن وجه واُجعلها آخر عبادة تخرج بها وتقابل بها وجه اللّه حتى كأنّك لن تصلّ بعدها أبدا لأنّ الموت يهدّدك في كل وقت وحين، وحين يستحضر هذا يكون صاحبها أحرص ما يكون على إتقانها والإتيان بها على الوجه الأتمّ من ناحية وفي الإخلاص فيها من ناحية ثانية، يعني صلاة من يودّع الدنيا لتكون عامرة بالقبول والخشية من الله وعامرة بالإخلاص لله تعالى وتكون صلاة مرضيّا عنها فيقابل بها اللّه عزّ وجلّ . صلّ صلاة مودّع للدّنيا حتى كأنّك لن تصلّ بعدها أبدا.
فهم الخاصة: هو أنّ الـرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منّا ويأمرنا بتطهير العبادة من الأغراض والعلل لكي لا تكون قادحة فيها وأن نقوم بالعبادة عبودية لا خوفا ولا طمعا أي لا خوفا من العقاب ولا طمعا في الثّواب وإنّما اِمتثالا لأمر الله عز ّوجلّ، و كذلك الـصّوم وسائر القربات. ومسألة الثواب والعقاب بيده عز وجل، صلّ وأجعل نفسك كأنّك لم تصلّ، والذي لم يصلّ هل يطلب الثواب؟ وكذلك كل القربات.
المطلوب هو القيام بالعبادة مخلصا لله أي امتثالا لأمره فقط، ليس الدّخول إلى الجنّة بذلك لأنّ الإثابة هي بمحض فضل اللّه والعقاب بمحض عدله، ولو يحكم عليهم كلّهم بجهنّم فمن سيعترض عليه؟ أو يحكم عليهم كلّهم بالجنّة كذلك من سيعترض على حكمه سبحانه وتعالى؟ فالنّار ناره والجنّة جنّته والخلق خلقه، فإن يثبنا فبمحض الفضل وإن يعذّب فبمحض العدل .
نيّة العبادة للثّواب نيل من الإخلاص وقدح فيه والإخلاص روح العبادة.
وبهذا تكون العبادة خالصة مخلصة لله تعالى، تقول رابعة العدوية رضي الله عنها:
كـلّـهـم يــعبــدوك مـن خـوف نـار ويــرون النّجـاة حـضّــا جـزيـــلا
أو بـأن يسكـنوا الجـنـان ويحـضــو بـريـاض ويـسـقــون سلـسـبـيـــلا
لـيس لي في الجـنـان ولا النــّار رأي أنـا لا أبـتـغــي بـحـبّــي بـديــلا
إنّما أعـبـدك لـذاتـك لأنّـك أمرتـني بالـعـبـادة وبـعـدئـذ فإن يـثـبـنـا فبمـحـض الـفضـل وإن يـعـذّب فبمـحـض الـعـدل. وهل يوجد من يفرض إرادته على الله على أن يـثـبــه؟ طبعـا لا يـوجد البتّـة.
أذكره لأنّه أمرني بالذّكر لا لمعرفة اللّه أو الحصول على الدرجات وحتّى نية المعرفة فيها نوع من الإنحراف عن القبلة، والإتجاه الصّحيح هو أن تعبد اللّه للّه فهذا هو الإخلاص {وما أمروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدّين حنفاء} (5 البينة) والإخلاص سـرّ الـلّه. صلّها وودّعها وهذا معنى أنّه لم يصلّ ومن لم يصلّ هل يطلب لها ثواب أو يطلب النّجاة من العقاب... بحيث لو قيل: يا تارك الصّلاة، فلا ينازع لأنّه لم يرى أنّه صلّى، صلّ صلاة مودّع لصلاته حتى كأنّك لم تصلّ أبدا، وهذا ما يناسب قوله عليه الصلاة والسلام:’’سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل‘‘(رواه مسلم). فلو كان الدّخول إلى الجنّة بالعمل فأين العمل وإن كان فأين صلاحه. فلو كانت الجنّة بالعمل لا يدخلها بشر وصدق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقوله: ’’لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال لا ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة‘‘(رواه البخاري).
فكيف بأعمالنا نحن؟ وعلى فرض وجود العمل الصّافي المشبع بروح الإخلاص ضعـه في كفّة وضع في الكفّة الأخرى إحدى العينين أو نعمة من نعمه علينا، فلا نجد ما يكفينا لخلاص النّعم فضلا عن أن تبقى بقية تدخلنا الجنة.
قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير ممّا يجمعون} (58 يونس)
{ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكّي من يشاء والله سميع عليم} (21 النور) {وإن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها} (18 النحل)
قال سيدنا الشيخ قدّس اللّه سرّه : ,,نعمة واحدة لا نحصيها عددا ولا نحصيها مددا،،.
أتترك فضـل اللّه وتتّبع نفسك الأمّارة بالسّوء التي تنظر إلى العمل.
إجتمعت بجماعة في حلق الوادي وتذاكروا في اليهود كيف كانوا يعملون بحلق الوادي... ومقارنتهم بالمسلمين بعد ذلك وأنه لا فرق بين أعمالهم... فأحسست بلغة فيها رائحة القـنـوط وسوء الظّن. فقلت لهم: يا جماعة نحن في ذيل القرن الرّابع عشر قرن ظهرت فيه أنواع البدع والبعد عن الجادّة وعليه البقرة وأختها في الطّين بدون استثناء وكلّنا ,,مزاقيط،، وحتى يوم القيامة ما ينفعنا إلاّ ,,التّزوقيط،، نأتي أمام اللّه حين محاسبتنا فنقول: يا مولانا إنّنا لم نأت للحساب أو الطّمع في الجنّة، فكلّ ما تقول فينا من عيوب، عملناه فعلا... وإنّما جئنا طامعين في فضلك، فإن كان لنا حظّ فيه فيا حبّذا النزلة، وإلاّ دلّنا على المكان بدون فضيحة ,,ولا دزّ ولا فزّ،، ولا سلاسل ... ولكن اللّه ,,فنطازي،، صاحب كرم، فهل سيقول: لا أبدا ما عندي لكم من الفضل شيء...أبدا ..؟ فليس هو من يقول هذا...
وتبدّل الحال مع الجماعة فأصبح ضحكا وسرورا وشرب قازوز...
إذن نقدّم العبادة طـاهرة وخالصة مائة بالمائة، ونعوّل على فضل اللّه العظيم ’’هو خير ممّا يجمعون‘‘ يقول شيخنا قدّس اللّه سرّه:,,العمل لابدّ منه ولكن لا يعوّل عليه،، فبالعمل ترفع الدّرجات في الجنّة {فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره} (8 الزلزلة) هذا فهم الخاصّة .
أمّا فهم الخاصّة العليا: وهم المقـرّبون فهذا لا يفهمه إلاّ أهله، صلّ صلاة مودّع للأكوان كلّها ولا تترك منه شيئا لترجع إليه حتى كأنّك لا تصلّ بعدها أبدا، يعني صلاة الأرواح.
خلّف الكون وراك وتـوجـّه لمـولاك
فأهل هذا المقام إذا أرادوا الإحرام في الصلاة الدّائمة فما عليهم إلاّ أن يودّعوا الكون تماما وكمالا، والصّلاة الدّائمة هي الخروج من هذا الكون كله وما فيه ويحرم في صلاة الأرواح والأسرار وفيها إحرام واحد وسجود واحد، فمن حين أحرموا ما تحلّوا ومن حين سجدوا ما رفعوا قال تعالى: {إلاّ المصلّين الذين هم على صـلاتهم دائمون} (23 المعارج) وهي الصّلاة الدّائمة.
ويزيـدك وجـهـه حـسـنــا كلّـما زدتــه نـظـــرا.
وربّ يوفّقـنا جميعا لما يحبّ...آمـيـــــن.

_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

إحفظ الله يحفظك

مُساهمة من طرف أبو أويس في الخميس 5 ديسمبر 2013 - 20:49

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أواصل في إنزال بعض من مذاكرات شيخنا سيدي إسماعيل الهادفي رضي الله عنه.

إحفظ الله يحفظك
فيما روي بالبخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال كنت خلف النبيء صلى الله عليه وسلم يوما فقال:’’يا غلام إني أعلّمك كلمات ، إحفظ الله يحفظك إحفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وأعلم أنّ الأمّة لو إجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كـتبه الله لك وإن إجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفّت الصّحف ‘‘
وفي رواية ’’واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك و ما أخطاك لم يكن ليصيبك، و اعلم أن الخلائق لو اجتمعوا على أن يعطوك شيئاً لم يرد الله أن يعطيك لم يقدروا عليه و لو اجتمعوا أن يصرفوا عنك شيئاً أراد الله أن يصيبك به لم يقدروا على ذلك فإذا سألت فاسأل بالله ، و اعلم أن النصر و أن الفرج مع الكرب و أن مع العسر يسرا ، و اعلم أن القلم قد جرى بما هو كائن‘‘ (مستدرك الحاكم)
هذا الحديث يُعـدّ أصل من أصول الدين، لأنّه دين يحــرّر البشر من العبودية لغير الله، وأعظم ركن من أركان الإيمان يتمثل في تحرير الدين الإسلامي لمعتنقيه هو ركن الإيمان بالقضاء والقدر، وأركان الدّين السّتّة هي: الإيمان بالله، والرسل، والملائكة، والكتب، والقضاء والقدر، واليوم الآخر وما فيه من جزاء وحساب.
فأعـظـم ركـن يرتكز عليه تحريـر الـبشر من الـعبـوديـة لـغير الله هو ركـن الـقضاء والـقـدر، وهذا الركـن مـؤيّـد بآيـات قرآنية وأحاديث شريـفـة ومن بـين هذه الأحـاديـث الحـديـث الـذي بـين أيـديـنـا.
إحفظ الله: بحفظ أوامره وإجتناب نواهيه، لأنّ كل مخالفة شرعية يترتب عليها جزاء في الدنيا وجزاء في الآخرة، فإذا حفظ الإنسان نفسه من مخالفة الأوامر والنواهي يحفظه الله ممّا يترتّب عليه من الجزاء في العاجل والآجل، إحفظ الله بإمتثال أوامره وإجتناب نواهيه تجده تجاهك أي أمامك كناية على أنّك لو حفظت نفسك من النواهي الشرعية لوجدت الله معك في كل أمر، تجده تجاهك بالمعونة والنصر والحفظ... تجده معك في كل مشروع وأمامك في كل مقصود، هذا بالنسبة للفهم العام.
وأمّا بالـنّسبة للفهم الخاص: حفظ الله المراد به حفظ النفس من جانب الله إحفظ نفسك من الشرك بالتوجّه والعبادة ومسالك الخير فإذا حفظت نفسك من الشرك الجليّ يحفظك الله ممّا يترتّب عليه من الجزاء الوخيم والخلود في النار، ومعنى تجده تجاهك، تجده أمامك في الحساب بترجيح كفّة حسناتك فتفوز برضوان الله وبسكنى الجنان.
أما فهم الخاصة العليا: إحفظ الله يعني إحفظ نفسك من الشرك الخفي وعدم خطور السّوى على قلبك يحفظك الله بما حفظ به عباده الصّالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
قال تعالى: {ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتّقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} (64 يونس)
إحفظ نفسك من دعوى الوجود يحفظك الله من التّقيّد بالقيود.
جاء أحد إلى رابعة العدوية وقال: منذ خلقني الله لم أعص الله قطّ . فقالت له رابعة: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب.
وفي الحكم: لا يبلغ المرء حقيقة المعرفة حتى يعرف الله في ثلاثة:
في نفسه {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} (21 الذاريات)
في زوجه {وقدّموا لأنفسكم واتّقوا الله وأعلموا أنّكم ملاقوه وبشّر المؤمنين}(223 البقرة)
في عـدوّه {لا يجرمنّـكم شنـآن قـوم على ألاّ تعدلـوا اعدلوا هو أقرب للتّقـوى} (8 المائدة)
’’إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله‘‘.
من المؤمنـين من يـسأل النـاس ويـسأل الله، ومنهم من يـسأل الله ولا يـسأل النـاس، ومنهم من يـسأل الناس ولا يـسأل الله. ضعاف الإيمان يسألون الناس ولا يسألون الله، وأهل الإيقان يسألون الله ويسألون الناس يتوجّهون بالسّؤال للنّاس معتقدين أنّه لا ينالون شيئا إلاّ إذا أنعم به الله، وأهل الإحسان فلا يسألون إلاّ الله وحده لعدم وجود سواه .
وما قيل في السؤال يقال في الإستعانة. فمن كان منهم يسأل الله ويستعين به معتقدا بأنّ الناس لهم تأثير فهؤلاء إيمانهم ضعيف لا محالة، وأمّا أهل الإيقان فيعتقدون بأنّ التأثير لله وحده ولا فعل لأيّ مخلوق مهما كانت صفته ولكن على معنى التّجوّز وجّه الخطاب للخلق .
وأمّا أهل الإحسان يوجّهون الخطاب للحقّ لأنّه لا وجود عندهم لغيره.
فينصحنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأن نتوجّه بالسّؤال والإستعانة إلى الله دون خلقه لأنهم عاجزون عن المنع والمنح ولهذا قال: ’’وأعلم أنّ الأمّة لو إجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كـتبه الله لك وإن إجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفّت الصّحف‘‘
والمراد بالأمّة ليست أمّة الإستجابة والدّعوة بل كلّ الخلق بما فيها الملائكة لا تقدر على فعل شيء إلاّ إذا أذن المولى عزّ وجلّ، وما مبدأ هذا؟
جميع الأشياء قد سبقت في علم الله، وأنّ الله قد أحاط بكلّ شيء علمـا،
وهذا هو التعلّق الأول وهو اليوم الأول من الأيام الستة.
ثم اليوم الثاني تعلقت الإرادة على مقتضى العلم السابق.
ثم اليوم الثالث تعلقت القدرة على مقتضى الإرادة.
ثم اليوم الرابع والخامس والسادس تعلق السمع والبصر والكلام على مقتضى القدرة .
يـقـول الإمام الغزالي رحمه الله :,,ليس في الإمكـان أبـدع ممّا كان،،
لأنـه ليس لشيء يمكن أن يكون خارجا عن هذه السّـتّـة، فهـذا كـلّه تحت علم الله بـدون زيـادة ولا نـقصان. فالمنـح والمنـع الآتي من البشر إن كـان سابـقـا في علم الله فهـو طبعا من الله، وإن كان فرضا غير سابـق في علم الله فمن أيـن البشر، فالخلـق إذن عاجزون عن الـنّـفـع والـضّـرّ، والكـلام في هذا الـشّـأن يتطـلّـب شـرحا مستـفـيـضا وهو في كـتـاب جـوهـرة الـتوحيـد للـشيـخ إبراهيم اللــقّـاني.
ذهب أحد أصابته فاقة إلى الملـك ليسـأل شيئـا يستعـين به على فاقـتـه وأذن له بالـدّخول فوجد الملك مستقبلا الـقبلة وهو يدعو الله ويتضرّع في خشـوع وإنـابة أمام الحق عز وجل سائـلا إيـاه مطالبه يا رب، يا رب، فـوقّـر في قلب الرجل وقال: لـو كان هذا الملك قادرا لأمـدّ نـفسه، فأعرض عنه ورجع وتوجّه بالطلب من الله. ولهـذا أعـظـم ركـن يـحـرّر مـن العبـوديـة لـغير الله هـو ركـن الـقـضاء والـقـدر.
قال تعالى: {إنّا كـلّ شيء خلـقـناه بقـدر} (49 القمر) {فعّال لما يريـد} (16 البروج) بـصيغة مبـالـغـة ليست لكـثـرة الفـعـل فقـط بـل فيـها القـوة والقـدرة على إيجابـيـة ما يـريـد وفي مفهـوم هذا ما لم يُـرده لـن يفعلـه ولا يـوجد أصلا ومستحيلا أبـدا، ولهذا قال: ’’رفـعـت الأقـلام وجـفـّت الصّحـف‘‘.
وربّ يـوفّق الجميع ...اللهم أشغـلـنـا بـك ولا تـفـتـنّا بسـواك... آميـــــــــــــــن.

الخمـيـس 06 فيفـري 1986

_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ليس مريدا من تقرّبه نفحة...

مُساهمة من طرف أبو أويس في الجمعة 24 يناير 2014 - 21:28

ليس مريدا من تقرّبه نفحة...
   قال شيخنا المداني قدّس اللّه سرّه في حكمه:
,,ليس المريد من تقرّبه نفحة وتبعده لفحة وإنّما المريد مريد على كلّ حال،،
ولا يكون المريد مريدا حتى يكون مرادا ولا يكون المحبّ محبّا حتى يكون محبوبا،،.
المريد عند القـوم هو من أراده اللّه له فكان مريدا للّه أو هو من أحبّه اللّه فكان محبّا للّه.
المريد قد سبقت له العناية من اللّه فاُجتباه وساقه في طريق العمل ليفيض عليه من النّعم ويخلع عليه من الحلل الإلاهية، أحبّه اللّه فكان محبّا وأراده اللّه فكان مريدا.
وكون المريد مرادا من قِبل اللـّه فيه من التّوفيق والأمان ما فيه كالرّاحة في القلب والإطمأنان لأنّه إذا كان مرادا للـّه تحرسه العناية الرّبّانية من الإنزلاق وتحيطه بالحفظ من الوقوع في الزّلاّت حتّى تستقـرّ قدماه في الـطّريق ويصل في أمان لبَرّ الأمان.
وعلامة هذا المريد أن يكون عبدا للّه على كلّ حال في الخير والشـّرّ وفي الشّدة والـرّخاء واقفا موقف العبودية للّه على كلّ حال إذ ليس العبد الذي يلبس ثوب الطّاعة وإن أقبل عليه سيّده جافاه، ويخلع ثوب الطّاعة إن تجلّى عليه بالإمتحان، فهو ممّن يعبد اللّه على حرف كما قال تعالى: {ومن النّاس من يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اُطمأنّ به وإن أصابته فتنة اُنقلب على وجهه خسر الدّنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} (11 الحج) وهذه هي اللّفحة المعبّر عنها في الحكمة .
وأمّا إذا لم يكن مرادا والعـياذ باللـّه وهو الـطّـفـيلي الذي جاء للـطّـريق ووجـد النّـاس تمشي فمشى وليست له إستدعـاء من الحقّ عزّ وجلّ ولا هو مخطوب العـنـايـة الـرّبـّانـية وليس له ضمان وأمان وحفظ، كمن جاء لاحتفال وليست له بطاقة إستدعاء فهو غير مضمون بحيث تُطلب منه فلا توجد فيقال له:سامحنا. أمّا من له إستدعاء فله منتظرين ومستقبلين وكرسيّه ينتظره، ومخطوب العناية من أوّل مرّة مقرّب ومطلوب، ولهذا لا يكون المريد الحقـيقي طـفـيليا.
  واللـّـه مـا طـلـبـوا الـوقـوف بـبـابـه    حـتى دعـوا وأتـاهـم الـمـفـتـاح
إذن المريد الحقيقي هو الصّادق في كلّ الحالات فإن أصابه خير فهو عبد وإن أصابه ضير فهو عبد، فالجمال والجلال عنده في العبودية للّه سواء، وهو الذي اُستوجب الفضل والإمتنان ,,فنعم العبد للنّداء لبّى،، وهذا هو صاحب التّقريب والـتّبجيل والمودّة والمحبّة... المريد الحقيقي كالعبد الحرّ الأصيل سواء كرّمه سـيّده أو أهانه فهو دائما في طـاعة واُنقـيـاد قال تعالى: {وما خلقت الجـنّ والإنس إلاّ ليعبـدون} (56 الذاريات) في الـسّـجن يعـبـده، في الجوع يعـبـده، في المرض يعـبـده... لأنّه بايـع اللـّه على العبـادة، ومن كان عبدا للـنّفـع فقـط أي للجنّة وزخرفها فقط، فإن وجد ما يشتهيـه منها فذاك مراده وإن وجـد غير ذلـك لا يرضى (ويـخـلّف المكان)...
طلب من أحد الفقراء أن يسلّم بطاقة تعريفه على أن يستردّها حين يحلق لحيته... مليـح... لبّيـك... فهذه يحسبها نفحـة وليست لفحـة... فالبـلاء في الدّنيا للمقـرّبـين، قيل لأحدهم: إنّي أحبّ رسول اللـّه صلى الله عليه وسلم فقال له: إتّخذ للفقر جلبابا، وقيل له: إنّي أحبّ اللـّه فقال: إتّخذ للبلاء جلبابا، فالبلاء منه إمتحان إليه... وما عـذول الحـبّ إلاّ مرسـل من ذي العـطـيـّة، وقال تعـالى: {أطيعـوا الله وأطيعوا الـرسول وأولي الأمر منكم} (59 النساء) فهو لسان الحاكم ما لم يأمر بما يخالفه في الأصول... والأمر بالمعروف إذا ترتّب عنه منكر فاجتـنـابه أولى، فمن كان هذا شـأنـه فهو المحبّ حقـيقـة، وأمّا من يطيع في وقت الرّاحة ووقت الجمال فهذا ليس مريدا محبّا... وما بكت عليه السّماوات والأرض إن راح في فتنة من فتن الدّنيا... (رُوحْ)...
إنّما المريـد مريـدا على كلّ حـال وهو مـراد الحضـرة، إن كان في الجنّة فهو مريدا وإن كان في النّار فهو كذلك مريدا، وإن كان في الشّدّة أو الرّخاء أو في العسر أو اليسر فهو دائما مريدا. فمن كان مراده اللـّه فلا يحـول بينه وبين اللّه أيّ نوع من العراقيـل، أمّا غيره فأقـلّ شيء يعـصف به... أخـوك في اللــّه من كان دائما أخاك وليس من كان طـارئـا. فما كان للـّه دام واُتّصـل وما كان لغيره إنقطـع واُنفصـل.
اللّـهم باعـد بيننا وبين مـا كان لغيرك.  
كذلـك لا يكون المحبّ محبّا حتى يكون محبوبا لقوله تعالى: {فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم ويحبّونه} (54 المائدة) وقد قدّم محبّتـه على محبّتهم كقوله تعالى:{رضي اللّه عنهم ورضوا عنه} (100 التوبة) فالـرّضاء متبادل بينهما وكذلك المـحـبّـة، وهؤلاء هم الذين يعـوّل عنهم، ويؤمّل البلوغ لما وصلوا إليه... فليس الأمر هـيّـن إنّهم باعوا الرّخيص والغـالي لأجـل المحبّـة والرّضاء وهم من قال فيهم رسول اللـّه صلى الله عليه وسلم: ’’وددت أني لقيت إخواني فقال أصحابه صلى الله عليه وسلم: أو ليس نحن إخوتك؟ قال: أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي و لم يروني‘‘ (مسند أحمد).
اللّهم اُجعلنا عبادا صادقين مخلصين معك في سائر الـتّجلّيات …
.الّلـهم اجعلنـا من المـحـبّيـن المحبـوبيـن، وحـل بيننا وبين أسباب البعـد والمقـت والغضـب بجاه سيـّد العالميـن عليه أفضـل الـصّلوات والـتّسـليـم...آميــــــن.


عدل سابقا من قبل أبو أويس في الخميس 13 مارس 2014 - 6:52 عدل 2 مرات

_________________
avatar
أبو أويس

ذكر عدد الرسائل : 1339
العمر : 58
الموقع : مواهب المنان
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سلسلة مذاكرات لشيخنا إسماعيل الهادفي...

مُساهمة من طرف فراج يعقوب في الثلاثاء 25 فبراير 2014 - 1:43

جزاك الله خيرا
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
avatar
فراج يعقوب

ذكر عدد الرسائل : 176
العمر : 58
تاريخ التسجيل : 22/02/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 3 الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى