بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» " حقيقة التصوف " من مذاكرات سيدي فتحي السلامي
أمس في 23:01 من طرف بلقيس

» من مهمات الطريق مراقبة الحق
السبت 13 أكتوبر 2018 - 4:28 من طرف عبدالله حرزالله

» مفاسد المناظرات الدينية التلفزيونية
الجمعة 12 أكتوبر 2018 - 12:20 من طرف الشاذلي الحموي

» فوائد ذكر الله سبحانه وتعالى
الخميس 11 أكتوبر 2018 - 23:16 من طرف محمد صلاح

» سيكون بأسهم بينهم شديد
الإثنين 8 أكتوبر 2018 - 15:32 من طرف إبراهيم جبريل آدم

» المحاسن البهية في معرفة أقدار السادة الصوفية
الإثنين 8 أكتوبر 2018 - 11:42 من طرف عبدالعزيز الرفاعي

» الأدب من أحسن ماتعامل به الخلق
الأحد 7 أكتوبر 2018 - 21:20 من طرف بلقيس

» تعظيم المخلوق والخضوع له هل يعتبر شركا ؟
الأحد 7 أكتوبر 2018 - 21:13 من طرف أبو أويس

» تطبيق Topic'it للتفاعل مع أحدث موديلات الهواتف...
السبت 6 أكتوبر 2018 - 21:57 من طرف أبو أويس

» ناي القلوب
الخميس 4 أكتوبر 2018 - 8:07 من طرف عبدالله حرزالله

» من أسئلة الأستاذ سيدي محمد حراز المغربي حفظه الله تعالى
الخميس 4 أكتوبر 2018 - 4:22 من طرف Dalia Slah

» خطر هوى النفس
الأربعاء 3 أكتوبر 2018 - 4:30 من طرف أبو أويس

» لماذا البكاء في سماع المديح أشد منه في سماع القرآن
الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 9:05 من طرف Dalia Slah

» كلمة عن اقتحام ميدان شرح الحكم العطائية في هذا الزمن
الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 17:58 من طرف Dalia Slah

» أفضل الدعاء ماورد في القرآن
الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 11:46 من طرف عابرسبيل

منتدى
"هذا مذهب كلّه جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل. "
قال أحمد الخرّاز: " صحبت الصوفية ما صحبت فما وقع بيني وبينهم خلاف، قالوا: لماذا، قال: لأني كنت معهم على نفسي"
أكتوبر 2018
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031   

اليومية اليومية


أنواع الكتّاب وأصناف المؤلفين

اذهب الى الأسفل

أنواع الكتّاب وأصناف المؤلفين

مُساهمة من طرف علي في الأربعاء 19 سبتمبر 2018 - 13:48

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وآله 

أما بعد :

أنواع المقالات والكتب والتآليف والدروس والمواعظ والمذاكرات كثيرة لكنها تنقسم في مجملها إلى أقسام ثلاثة : 

القسم الأوّل : كتابات عرفانية مصدرها الفيض الرباني والفتح الإلهي يستلزمها صفو الحال مع الله تعالى وهذا القسم من الكاتبين والمعبّرين صنفان : 


أ : السالكون سواء أكانوا من أهل البدايات أم المتوسطين أم المستشرفين ولا يمبّز بين كل صنف وصنف آخر من هؤلاء إلا صاحب بصيرة وسنأتي على تفصيل هذا إن شاء الله تعالى 
 
ب : العارفون الواصلون وهم عمدة وأصل هذا القسم من الكتابات وعليهم مدارها لكنهم بدورهم في هذا نوعان : صنف منهم كتب في شؤون الطريقة وبيان شرعها ومبادئ علومها وتفسير السير والسلوك من حيث العلم والعمل والذكر والمذاكرة والآداب والخدمة والصحبة وتفسير ما هنالك من ثمرات يجدها السالك ويجنيها وهو في طريق سيره كالكشف والفراسة والوجد ... الخ ما يجده السالك السائر إلى الله تعالى في طريق سيره 

المعلومة شروطه كاتخاذ الشيخ المربي الحقيقي المأذون من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام إذنا حقيقيا بشاهد إذن شيخه الكامل له فما إذن الشيخ الكامل في الحقيقة إلا دليلا وشاهدا على الإذن الإلهي والنبوي للمرشد العارف من باب قوله عليه الصلاة والسلام ( مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ) فهو إذن صريح بالإمامة لما تعطيه الصلاة من وصف بالإمامة – يصلي بالناس – وليس فقط يصلي بكم - لأن الشيخ بين مريديه كالنبي في قومه فمتى قدّم الشيخ من مريديه في حضور جميع إخوانه أو أعيان إخوانه كالفقراء والمقاديم الكبار فقيرا من الفقراء ليصلي بهم وبشيخهم في نازلة من النوازل المشهودة كما في الحديث السابق النبوي بتقديم أبا بكر 


كمرض حل بالشيخ أو موت أو غيره ..الخ فتلك إشارة على إمامة المتقدم ولا نعني هنا كل متقدم يقدمه الشيخ للصلاة بالفقراء فهذا يحدث كثيرا وقد كان العلامة سيدي محمد بن المشري إماما في زاوية سيدي أحمد التجاني رضي الله عنهما يصلي بهم بحضور سيدي أحمد التجاني زهاء عشرين سنة وما تقدم سيدي أحمد التيجاني رضي الله عنه للإمامة بنفسه إلا بعدما جاءه الهاتف الإلهي أن صلاته لا تصح بعد الآن إلا بعد تقدمه للإمامة والصلاة بالمريدين من أهل زاويته والمسلمين عامة ممن يتيمم مجلسه وزاويته ويعتقد في ولايته وأهليته ومعرفته وخصوصيته ولو لم يكن منتسبا 


مع العلم أن سيدي أحمد التيجاني نفعنا الله بذكره ورضي عنه وقدس روحه العزيز رجل آتاه الله تعالى من الخصائص ما لم يؤت أحد من أهل زمانه حيث نال خصيصة في الحقيقة الأحمدية وكفى بها منزلة لا يصلها إلا القلة النادرة من كمل الأولياء قلت هذا حتى تعلم مرتبة الرجل رضي الله عنه وما تسمع ما يقوله الأفاكون عنه من منكري التصوف ومعتقديه على حد سواء 

نعود للقول أن كتابات السالكين غالبا ما تكون ناتجة عن غلبة فيض أو قوة وارد لذا نبهوا على أن هذا النوع من السالكين يجب أن لا يعرض وارداته على غير شيوخه ولا يجوز لهم اطلاقا نشرها بين المريدين أو عامة المسلمين إلا بإذن من الشيخ الكامل خشية على الفقير بعدم التفريق بين الوارد الرحماني وبين ما قد يشتبه عليه من الخاطر الشيطاني والنفسي فيتلبس به وهو لا يشعر من باب (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )

لأن الكتابة ونشر العلوم والمعارف والعلم من جملة الأعمال التي قد يثاب عليها العبد أو قد يأثم بسببها من باب (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) فيدخل كل كاتب في الدين بغير علم وغير تأهيل وغير إذن حقيقي صريح سواء أكان الإذن الشرعي العام في مجاله أم الإذن الرباني الخاص في مجاله لأن الواردات الربانية قد يلقي فيها الشيطان بالنسبة للسالكين في طور السير وعدم الوصول خواطر وهو النفث الشيطاني يعبر عنه بالإلقاء من باب هذا الشاهد مع مراعاة الفارق بعد القياس (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) 

أنظر قوله تعالى (حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) 
لذلك تجد كثيرا من الكتابات في مجال التصوف التي تنتحل إسم المعارف والعلوم الدنية ما هي غير فتن قلبية يلقيها الشيطان ينبهر بها مرضى القلوب فيغترون بها وما هي في الحقيقة إلا إلقاءات شيطانية لا تغني ولا تسمن من جوع 

لتقريب هذا المعنى فلو مثلا سمعت الشيطان يتلفظ بشهادة التوحيد ويقول " لا إلا إلا الله " يلقنها لك فلا تكررها خلفه ولا تتلفظ بها تقليدا لتلفظه بها لأنك متى فعلت ذلك سرى فيك حال من أحوال نفس الشيطان بسبب كونك لقّن الذكر لذا ورد عن الإمام أحمد بن حنبل أن الشيطان تمثل له وطلب منه أن يقول لا إله إلا الله فأجابه بقوله : والله لا أقولها أبدا لقولك لها وتلقينك لها لي 

لذا قلنا أن الواردات العلمية التي ترد على قلوب السائرين من المريدين يجب على الفقير عدم نشرها بين الناس فقط يعرضها على شيخه صاحب البصيرة حتى يميز له بين الغث والسمين منها مخافة أن ينشر للمسلمين ما يضرهم فيكون غاشا لهم من حيث يريد لهم المنفعة في أصل نيته لكن النية لا تشفع في مقام الضلالة وإلا فإن غالبية من يتبع الدجال يكون في أصل نيتهم واعتقادهم أنه المصلح المخلص لذا قال العلماء بوجوب تحرير النية وتصحيحا والعلم خير مصحح وكفيل لتخلية النوايا وتنويرها وتحليتها 

ثمّ لما قد يشوب الفقير من شوائب الإغترار بما فتح الله به عليه من واردات ومفاهيم عزيزة ودرر فريدة فيمسي كل ذلك في حقه استدراجا لأن الإستدراج والمكر الإلهي بأصحاب العلل والأمراض القلبية والنفسية كأهل الحظوظ والمآرب والتشوف لغير الله خطير لا طاقة للعبد بمعرفة كنهه أو استشعار ذرة منه عند حلوله به كإبليس لعنه الله تعالى لم يستشعر استدراج الله تعالى له بسبب كبره وحسده وجميع أمراض نفسه التي ظهر بها عند مبايعة الخيلفة فظن أن له مقدارا ومقاما لا يمكن لأحد مسه أو سلبه منه حيث ظن بوجوب حقوقه على الله تعالى من حيث الأجر السابق على أعماله والنور اللاحق من أحواله .. إلخ 


وما ظن أو اعتقد أنه لا يجب على الله شيء لأنه الواسع العليم وهو القائل سبحانه ( وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ) لأن الأصل الذي تقاس عليه الأعمال وتقام عليه الأحوال هو الأدب مع الله تعالى فهذا أصل كل عمل أو علم أو حال أو مقام فمتى اعتقدت مثلا أنك صاحب مزية على الله تعالى كأن تنسب صالح الأعمال إلى حولك وقوتك أو تنسب فتحك وعلمك إلى نفسك فهذا يعد نهاية سوء الأدب مع الله تعالى وعلى هذا قس جميع الأمور والأشياء التي تصدر منك 

لذلك ليس كل كتابة يؤبه إليها في مجال المعارف الربانية والعلوم اللدنية ولو أخذت شكلا في ظاهرها كونها من ذلك الصنف من باب قول القائل ( أما الخيام فإنها كخيامهم *** وأرى نساء الحي غير نسائها ) 

لذلك لا تظن أن ما يكتبه الكاتبون تخفى على أهل البصائر من العارفين حقيقته ولو كتبت مجلدات أو ألفت أطنانا من الكتب لأنهم يميزون بين حضرات الكلام ونوع مدده هل هو رباني أو نفسي أو شيطاني أو هل هو خليط من باب ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) فهم أهل التدقيق والتحقيق لتعلم أن الدين محفوظ ولا يمكن لأحد من الخلق تحريفه كما ورد في الحديث الشريف ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ) لقوله تعالى ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) 

قال في هذا الباب سيدي بن عطاء الله تعالى السكندري رضي الله عنه عند تبيين مرحلة حكاية الفيض وكتابة الوجد بشأن علوم الحقائق (عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد فالأول حال السالكين والثاني حال أرباب المكنة والمحققين ) لذلك حكى سيدي العارف الكامل أحمد العلاوي قدس الحق سره إبان سيره وسلوكه وهو تحت رعاية شيخه سبب تأليفه لكتابه (مفتاح الشهود في مظاهر الوجود ) أن تفكره في العالم العلوي استهلك باطنه فصار فكره يجول فيه طوال اليوم فشكى ذلك الحال لشيخه فأشار عليه بوضعه في كتاب حتى يستريح منه ففي الحقيقة كان سبب التأليف تخفيف حمل ثقيل استهلك فكر سيدي أحمد العلاوي وأشغل قلبه عن وجهته الحقيقية فهذا معنى قول بن عطاء الله في حكمته ( عباراتهم إما لفيضان وجد ) فسبب تأليف ذلك الكتاب يدخل في باب " فيضان " وجد ولا يدخل في باب " قصد هداية مريد " 


ثمّ سنأتي بعد هذا على ذكر تآليف أهل الله من كمّل أهل العرفان كسيدي محي الدين بن عربي الذي أحدث رضي الله عنه تأليفاته فتن كثيرة بين العوام والخواص فنجا من نجا وهلك من هلك سواء من أهل الظاهر أو أهل الباطن وكتأليف السهروردي وشعر العلاج وفي أي صنف من تلك الأصناف تدخل تلك التآليف وغير ذلك كتفصيل الفرق بين التآليف في باب الطريقة أو قل باب ركن الإيمان الذين دأب المؤلفون الأولون من السلف الصالح استهلاك الكتابة فيه دون غيره فظن من لا علم له أن حد معارف القوم الأولين لا تتجاوز مقام ما تحدثوا فيه وهدا جهل ودعوى عريضة يطلقها بعض أهل هذا الزمان زمان الدجل والظلمة والكذب والدعاوى العريضة والجهل المدقع حفظنا الله وإياكم من ذلك 

ثمّ بعد استيفاء ذلك نذكر إن شاء الله بقية أقسام المؤلفين في العلوم الدينية وكتاب المقالات أو أصحاب المجالس السمعية من وعاظ ومدرسين ومذاكرين وغيرهم من أهل الرأي والنصيحة والفكر والفلسفة .. إن شاء الله تعالى

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
avatar
علي

ذكر عدد الرسائل : 953
العمر : 47
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أنواع الكتّاب وأصناف المؤلفين

مُساهمة من طرف الشاذلي الحموي في الأربعاء 19 سبتمبر 2018 - 23:02

رضي الله عنكم وأرضاكم
avatar
الشاذلي الحموي

ذكر عدد الرسائل : 17
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 03/10/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أنواع الكتّاب وأصناف المؤلفين

مُساهمة من طرف علي في الجمعة 21 سبتمبر 2018 - 3:44

جمع الكرام القرآن العظيم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يدارسه جبريل عليه السلام القرآن كل سنة مرة في رمضان كما قال تعالى { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ } أما الجمع الأوّل في مصحف واحد فكان في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم جمع على هيئته الحالية في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه
 
حرص الصحابة الكرام عليهم الرضوان على جمع القرآن والإعتناء به بصفة أولى دون غيره لأنهم كانوا جيل القرآن وهو أفضل الأجيال وأقربها إلى الله تعالى
 
إنما اقتصروا على تناقل الأحاديث النبوية -التي هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي- والسيرة عموما مشافهة وتطبيقا دون جمعها في كتاب واحد كالقرآن وما صار التصنيف والتأليف في علم الحديث النبوي إلا بعد مرور عقود من الزمان خشية وقوع الإلتباس بين الحديث النبوي وآيات القرآن الكريم
 
فكان أهل الصدر الأوّل من الأمة المحمدية الشريفة لم يبادر إلى الكتابة والتصنيف كما حدث في الأزمان التالية لظروف ومستلزمات أدخلتها حيز الضرورة بل كان منهجهم ينحصر في معرفة كتاب الله تلاوة وتدبرا وفي معرفة سنة نبيه عليه الصلاة والسلام القولية والفعلية والتقريرية لقوله عليه الصلاة والسلام ( تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي )
 
إذا فالأصل في العصمة من الضلال هو التمسك بالكتاب والسنة دون غيرهما بالأساس ويدخل في هذا بحكم الضرورة تفاسير القرآن وشروحات كتب الحديث فأساس العلم الشرعي يتمثل في علوم القرآن وعلوم الحديث أو كل ما يوصل إليهما كعلوم الآلة وعندما نقول علوم القرآن والحديث أي ويدخل في هذا علم الفقه وأصوله وعلم التصوف وعلم التوحيد إذ من علامات صحة العلم رجوعه إلى أدلته من الكتاب والسنّة قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني " ربما تقع فِي نفسي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين الْكِتَاب والسنة "
 
قَالَ أَبُو يَزِيد البسطامي رحمه الله تعالى " لو نظرتم إِلَى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع فِي الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود "
 
أعلمتك بهذا حتى تعلم أنّ العمدة في العلم الديني هما الكتاب والسنة لذلك قال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى ( من لَمْ يحفظ الْقُرْآن وَلَمْ يكتب حدِيث رسول الله لا يقتدى بِهِ فِي هَذَا الأمر لأن علمنا هَذَا مقيد بالكتاب والسنة )
ومن قرأ في تراجم كتاب الرسالة القشيرية التي هي ألف باء التصوف سيعلم يقينا أن تصوف الأزمنة التي جاءت من بعد عصر صاحب الرسالة خاصة قد تغير كثيرا ولم يبق على حقيقته الأولى الناصعة رغم أن الإمام القشيري رحمه الله كتب رسالته إلى الصوفية في بلاد الإسلام قاطبة محذرا لهم ممن نحا بالطريق منحى غير قرآني سني محمدي
 
هذا كي تعلم أن التأليف والتصنيف في علوم الديانة منه ما كان في حكم الضرورة لا بدّ منه ككتب التفاسير بالمأثور المنقول والمعقول وكتب الفقه النافعة ككتب الأئمة الأربعة أو غيرهم من الأئمة وكتب تلامذتهم بحسب مدارسهم وكذلك كتب بيان قواعد طريق التصوف ومبادئه ..


دون الكتب التي لا تنحى هذا المنحى فيه فلا يعتمد عليها في هذا الجانب لأنّ الأصل الجامع هو دلالة الخلق على ربهم فهذا هو الأمر المقصود لذاته من جميع تلك العلوم الدينية فكل علم ديني لا يدل العبد على الله تعالى فهو حجاب في حقه مهما كان نوع ذلك العلم ومنزلته
 
لذلك قلّ المصنفون والمؤلفون في القرون الأولى ثمّ بدأت تتكاثر التصانيف والتآليف مع مرور الزمن منها الجيد الضروري الذي يفيد ولا يضر ويزيد من نور العلم ولا يجلب أي ظلمة بينما هناك من حشر نفسه في هذه الصناعة بغير تأهيل حقيقي فكان الصورة الباطلة التي تحاكي الصورة الحقة وتعاندها وتصادمها وتريد أن تحل محلها ففشت الأقلام في الأزمنة الأخير وهذا يعد من علامات الساعة كما ورد في الحديث
 
فشو القلم لا يعني زيادة العلم كما يتوهمه أهل الظلمة فزيادة العلم أو نقصانه لا علاقة لها بكثرة التآليف والتصانيف أو قلّتها ولا بصناعة الكتابة وتسويد الصحائف  
 
لأن العلم نور وهو كما قيل " ليس العلم بكثرة الرواية وإنما العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده " لذا قيل فيما معناه " كان العلم نورا متوقفا على أصحابه من العلماء الربانيين فلما أودع الكتب ادعاه من ليس من أهله  "


أما اليوم فهب كلّ من دبّ للكتابة في العلم الديني ظانين أن ذلك سدرة منتهى شاهد العلوم وعلامة الفهوم ودليل الأهلية ولو يعلم العالم خطر الكلام والكتابة في الدين في مختلف أركانه بغير علم لقطع لسانه ويده بنفسه لكنه لظلمته الحالكة وقسوة قلبه المريض لا يستشعر تلك الخطورة ولا يتفكر لحظة فيها
 
لذا اختلط في ميدان التصنيف والتأليف في مختلف فنون وعلوم الديانة الحابل بالنابل كلّ فرقة وطائفة لها من التآليف آلاف ومن الكتابات والمقالات مئات لذلك على المؤمن الورع أن لا يترك مكتبته تحتفي بغير أمهات الكتب التي قام بتصنيفها المحققون من أهل الله تعالى سواء من قبل العلماء العاملين أو من قبل العارفين الواصلين في أركان الدين الثلاثة :
 
-      كتب التفسير
-      كتب الحديث
-      كتب الفقه
-      كتب أصول الفقه
-      كتب العقائد
-      كتب التصوف


أما غير هذا النهج من الكتب فلا يجب في الحقيقة الإعتماد عليه اطلاقا أو الصيرورة إليه بحال مهما كان إسم كاتبه خصوصا إذا كان هذا النوع من التآليف ليس في مقدور الدارسين من العوام أو الخواص فهم مقاصد صاحبه منه إذ كم يوجد من كتاب يظن العامي أن مؤلفه ألفه ليطلع عليه وأمثاله لكن في الحقيقة ما كتبه كاتبه إلا لمن كان في نفس مرتبته العلمية ومستواه العرفاني الديني أو أقل بقليل على الأقلّ


 لكونها تبقى كتبا خاصة بأهلها كان من المفروض أن لا تتداول إلا فيما بينهم ولا تبتذل إلى صيرورة الكتب العامة يتداولها الأغمار ويغترون بما جاء فيها ظانين أنهم على علم كامل بمقاصد صاحبها ومعرفة مراميه فتهلكهم وترديهم كبعض كتب الشيخ بن عربي رحمه الله تعالى والجيلي عبد الكريم وتلك المدرسة العرفانية الفلسفية فهل وصلنا أو سمعنا أن عمر وأبا بكر صاحبي رسول الله عليه الصلاة والسلام ألّفا مثل تلك الكتب ؟ أو أن الإمام علي عليه السلام الذي هو من أساطين المعارف والحقائق صنف في تفسير علوم الحقيقة ؟ 
 
لذلك يجب أن تعلم أن الأصل والصواب في التصوف ليس التصنيف والتأليف في علم الحقائق وكتابة الكتب والمجلدات وإنما الأصل هو ما قاله الشيخ زمزم الأسرار وقطب الأنوار القطب الفرد الغوث الجامع سيدي أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى لما طلبوا منه أن يضع لهم كتابا فقال " كتبي أصحابي "
 
لأن حقيقة التصوف ليست كلاما وحديثا وقيلا وقالا ولا تأليف وتصنيف وإنما هي علوم تلقى من القلب إلى القلب ومن الصدور إلى الصدور فتلك حقيقة التصوف لأن الحقائق لا تبتذل كما ورد في قول سيدي بن عطاء الله السكندري في حكمه رضي الله عنه " عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد فالأول حال السالكين والثاني حال أرباب المكنة والمحققين "
 
كون طريق الإرشاد هو طريق هداية وليس طريق افشاء أسرار الربوبية والحقائق الإلهية لمن كان عبدا لحديث نفسه وهواها وخواطر شيطانه ووسوسته إذ حرام على العارف بالله أن يحدث محجوبا في علم الحقائق فهذا يعد خيانة لحضرة الله وهو سوء أدب مع الله تعالى
 
لذلك لم يتحدث النبي عليه الصلاة والسلام بعلوم الحقيقة على رؤوس الأشهاد تفصيلا واجمالا وإنما قد يشير في بعض الأوقات إلى حقيقة من الحقائق من طريق خفي لا يفهمه أو يلحظه إلا منور تقي سائر لبيب فتيّ
 
أما كتاب الله تعالى فهو كتاب الأنوار والأسرار والحقائق الجامعة المطلقة الكلية يأخذ كل عبد منه بحسب نور قلبه فيه فالقرآن واحد والمتدبرون في آياته أصناف فشتان بين فهمه عليه الصلاة والسلام في القرآن وبين فهم عامة المسلمين وكذلك على هذا قس درجات المتدبرين
 
[rtl]يتبع إن شاء الله تعالى ...[/rtl]














_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
avatar
علي

ذكر عدد الرسائل : 953
العمر : 47
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أنواع الكتّاب وأصناف المؤلفين

مُساهمة من طرف علي في السبت 22 سبتمبر 2018 - 7:45

القسم الثاني : 
كتابات شرعية كما بيناه آنفا والمراد بالشرعية أي لا تخرج عن المنقول والمعقول ولا تتجاوز حدود قبول العقول مهما حملت من نور مستور مخفي بين السطور وهذا قسم يدخل فيه أئمة الفقهاء ممن جمع بين العلم والعمل فجنوا النور والفهم كما قال تعالى في حقهم { فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } 
وقوله تعالى { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلً } 

من أمثال هؤلاء أئمة الفقهاء من أصحاب المدارس الفقهية التي سارت بذكرها الركبان تعبد بفقهها وبيانها الناس في مشارق الأرض ومغاربها عقودا وقرونا من الأزمان ومن نحا نحوهم وكانوا من نفس طبقتهم وإن لم تبلغ شهرتهم الآفاق ممن بلغوا درجات الإجتهاد وتحقق وصولهم إلى الشرب من عين قواعد أصول الشريعة وأحكامها فكانوا من أهل الإستنباط بعد اكتسابهم أدواته من العلم والفهم عن الله ورسوله عليه الصلاة والسلام واستنارة بصائرهم 

لأنه في العرف السائد العام عند العلماء العاملين كون من شروط صحة علم العالم وجود نور الكشف عنده ونعني بالكشف هنا لا ما يفهمه عامة الناس من الإخبار بالمغيبات أو التجسس على العورات وتتبع العثرات وإنما نعني به تحديدا الدخول إلى عالم النور القلبي الذي يزيد في علم العبد وتقواه لربه فلا يكون على الفقيه أو العالم سلطان من الشيطان على قلبه أو هوى يرديه من نفسه كغرض وعلة أو حظ دنيوي فاني بل يفني حياته في طلب نور العلم ثم تدريسه وتعليمه للخلق من أهل زمانه ثمّ التصنيف فيه لأهل عصره ولمن سيأتي من بعدهم لأن الميت ينقطع عمله إلا من ثلاث منها علم ينتفع به ..

أما علماء السلاطين والملوك والرؤساء الذين يفتون بحسب هواهم ابتغاء دنيا زائلة من منصب و جاه أو وظيفة فهؤلاء لا يدخلون في عداد العلماء حقيقة فضلا عن أن يكونوا من أصحاب نور العلم والهداية لذلك أطلق عليهم وصف " علماء السوء " وهم موجودون في كل عصر ومصر 

خصوصا في العصور الأخيرة الذي فشى فيه الإقبال على الدنيا وحبها من عامة المسلمين وخاصتهم على حد سواء فهذا زمن الإقبال على الدنيا من طرف أهل التدين حتى أنك تجد العالم والفقيه يسكن القصور ويركب أفخم السيارات ويأكل أطايب الطعام وينكح أجمل النساء ويلبس أفخر الثياب ثم تجد لسان حال أهواء نفسه يتلو بعد ذلك كله قوله تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } 

قال عليه الصلاة والسلام (إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان ) 
قلت : 
المنافق لا يكون إلا جاهل القلب مهما كان عليم اللسان , لأن عليم اللسان يعتمد في علمه على ذاكرة الحفظ لا على نور الفهم لا يتجاوز علمه حنجرته كحال الخوارج إلا أن الخوارج يزيدون عليهم بجريمة قتل أهل الإيمان وترك أهل الأوثان ..
لكن هؤلاء أيضا يقتلون معاني الدين في قلوب المسلمين ولا يحيونها فيسري في أتباعهم مدد نفاقهم سريان الماء في عوده إلا من صدقت نيته فحفظه الله من سريان أحوالهم في قلبه كما لم يسر حال فرعون في قلب سيدنا موسى عليه السلام بعد أن عاش فيهم وليدا وتربى في قصره 

قال عليه الصلاة والسلام ( أكثر منافقي أمتي قراؤها ) 
القرّاء هم الذين يقرؤون كتاب الله ويحفظونه لكنهم يراؤون به الناس من أهل التفيقه ويتأولونه على غير وجهه الصحيح لأن نفاق المسلم هو الرياء وهو من الشرك الخفي أي شرك العمل وهو بريده إلى شرك الإعتقاد متى علمت أن المعاصي بريد الكفر والجنس من المعاصي يحن إلى أصل جنسه من الكفر والشرك والنفاق 

لذلك حذر أهل الله تعالى بداية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن تبعه من بعده من خلفائه في أمته من ورثته في علوم أركان الدين الثلاثة من علماء السوء الذين اتبعوا سنن أهل الكتاب الوارد فيهم قول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } 

لذلك تجد من صفات العالم العامل صاحب نور القلب الكرم والجود ومن صفات العالم صاحب القلب المظلم الشح والبخل أما كلّ صوفي فقد قيل في حقه " أقبح من كل قبيح صوفي شحيح " فلا يوجد أقبح في قلب المؤمن من صفة الشح والبخل لذلك وصف الواصفون كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كونه كالرياح المرسلة أي ظاهرا وباطنا حسا ومعنى 
فضلا عن صفة كرم الله تعالى التي لا تدركها العقول أو تحصيها القلوب أو تحيط بها الأرواح فهو القائل سبحانه في حق عطاء الدنيا لسيدنا سليمان عليه السلام { هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } فكيف بعطاء الآخرة المقول فيه { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا }

ثم هو في كل الأوقات والأماكن كريم جواد سواء في الدنيا أو الآخرة { كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا } فلو كان عطاؤه محظورا ما حج الشيخ الطاعن في السن إلى بيته الكريم في طائرة مريحة يطوف وهو جالس على كرسي متحرك ويسعى بين الصفا والمروة فضلا عما وصل إليه عطاء الله في عالم التكنولوجيا العصرية ..

لئلا يظن ظان في الله سبحانه ما ظنته اليهود { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } 

لذا من علامات قلة الثقة بالله تعالى وضعف اليقين وجود مرض البخل والشح في القلب جراء تعلقه بمحبة الدنيا الفانية والحرص على بقائها في اليد خشية الفقر والحاجة فلا يوجد جهل في الكون أعظم من جهل تعلق القلب بالدنيا والحرص عليها خوفا من الفقر لكون هذا يورث الشح والضغائن والأحقاد بين الخلق لأن العبد لو بحث في أسباب نشأة جميع العلل القلبية والأمراض النفسية لوجد سببها حب الدنيا من جاه ومنصب ومقام ورئاسة هو السبب الأول ...
وهو الأمر الذي أوقع إبليس لعنه الله في إساءة الأدب مع الله تعالى بحرصه على الرئاسة تحت مسمى السياسة التي يتقاتل عليها المسلمون اليوم كما تقاتلوا عليها بالأمس القريب فسالت دماؤهم لذا قال عليه الصلاة والسلام ( فَوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عليكُمْ ولكنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدّنْيا عليكُمْ كما بُسِطَتْ على مَنْ كانَ قبلَكُم فَتَنافَسُوها كَما تَنافَسُوها فتُهْلِكَكُمْ كما أهلَكَتْهُم ) فلا زيادة على ما ورد في الحديث بهذا الخصوص خصوصا بعد أن أقسم بالله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق من غير حاجة إلى قسم منه وإنما أقسم لزيادة اليقين بالتوكيد على أنه لا يخشى على أمته الفقر ولكنه يخشى عليهم ما هو حاصل اليوم كما حصل بالأمس ( أَنْ تُبْسَطَ الدّنْيا عليكُمْ كما بُسِطَتْ على مَنْ كانَ قبلَكُم فَتَنافَسُوها كَما تَنافَسُوها فتُهْلِكَكُمْ كما أهلَكَتْهُم )

لأن العاقل لا يعيب على العامي الغافل حرصه على الدنيا بقدر ما يعيب ذلك على العالم والفقيه والصوفي و يشينه به لأنه متى قرأ قوله تعالى في حق الرهبان – كالصوفية في زماننا – أو في حق الأحبار – كالفقهاء والعلماء في زماننا - { إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } 
يدرك أن مجرد مظاهر العلم والتدين ومظاهر التجريد والعبادة لا يكون دليلا على تقوى العالم أو صدق الصوفي 

تحدثت مرة مع شخص فرنسي ملحدا لا يؤمن بالآخرة كنت أعرفه منذ زمان و دعوته من قبل إلى الإيمان فأبى :
أنت تنفق جميع مالك وتصرفه ولا تحتفظ لنفسك بشيء منه تنفق على أصدقائك وأقربائك وعائلتك بصفة أثارت عجبي ما أسباب ذلك ؟ فأجابني بقوله : سيأتي يوم يحل فيه الموت بي وأعود إلى التراب فليس من المعقول أن أكنز المال ولا أتمتع به وأمتع به غيري من أحبابي وأصدقائي فأنا أعيش على اعتقاد وجوب تحصيلي أكبر قدر من اللذة والسعادة في هذه الدنيا لذلك لا يتناسب ذلك بفعل ما يناقضه من الإدخار والإحتكار ..

قلت : هذا تفكير شخص ملحد لا يؤمن بالله ولا برسوله فكيف إذن ما يجب أن يكون عليه تفكير العبد المؤمن الذي يؤمن بقوله تعالى إيمانا راسخا { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ } وقوله تعالى { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } فكيف يصح له بعد هذا الحرص على الدنيا ومتاعها وهو على وشك مغادرتها { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ } 

لذا قال الله تعالى محذرا أهل العلم والتدين في معرض الإخبار لأنهم القدوة للناس { إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗوَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } 

لهذا عليك أيها المؤمن أن تستقيم وتتقي الله تعالى وتطيعه وتذكره حتى يؤتيك نور الفهم عنه وفراسة القلب والتمييز كما قال تعالى { أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ } لأن صاحب ظلمة القلب ميت وصاحب نور القلب حي 

كما قال عليه الصلاة والسلام ( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر كمثل الحي والميت ) قال تعالى { فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } فبيّن لك الحد الفاصل بين طريق الهدى وطريق الضلال طريق الهدى هو طريق ذكر الله بينما طريق الضلال المبين هو قسوة القلب من ذكر الله 

كالحد الفاصل بين أهل الصدق وأهل النفاق أهل الصدق { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } بينما أهل النفاق { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } فمن منا اليوم لا يقوم إلى صلاته وهو كسلان إلا ما ندر نسأل الله تعالى المغفرة والتوبة وأن ينير في قلوبنا قمر التوحيد وينهض هممنا إلى الإستقامة حيث تمام الكرامة 

من علماء هذا القسم والمصنفين فيه خصوصا أئمة التفسير والفقه والحديث من ساداتنا العلماء العاملين من عصر السلف إلى يومنا الناس هذا على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم ودرجاتهم وإن كانت الأزمنة الماضية أعلى نورا وأكبر قدرا وأرقى شأوا مقارنة بعلماء العصور الأخيرة في الغالب ولولا فضل الله كما قال تعالى { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } 

أصناف هذا القسم الثاني كثيرة كالفقهاء والمفسرين والمحدثين بداية بالأئمة الأربعة ومن كان قبلهم من علماء الصحابة وفقهائهم ومن جاء من بعدهم من أساطين أهل العلم وهم في هذا المنحى من الدرجات ربما يصدق فيهم قول الله تعالى { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } 

فأصحاب هذا القسم وإن كانت علومهم في الغالب مكتسبة يدخل فيها الجهد والتعب وركوب الأهوال والسهر والصبر إلا أن صاحبها أحد رجلين : إما عبد طلب ذلك ابتغى به وجه ربه بعد ادراكه واستشعاره من نفسه أن مقام ذلك يطلبه بما توفر فيه من شروط النبوغة والذكاء وسرعة الفهم والبديهة وقوة الذاكرة واتقان الحفظ على نعت الإخلاص لله تعالى وعدم الإغترار أو الإعتداد بالنفس فأورثه ذلك نورا من العلم في القلب من باب {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } كما ورد من شعر فيما نسب للإمام الشافعي رحمه الله تعالى : 

شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي *** فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُـــــــــورٌ ***ونورُ الله لا يهدى لعاصي

لأن طلب العلم شقان شق اكتساب وجهد وشق نور ووهب وتوفيق رباني من باب { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} الشق الأول و { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } الشق الثاني فخذ هذه القاعدة واجعلها نصب عينيك في كل عمل فستجني ثماره ولو بعد حين وتفوح عليك وعلى الناس رائحة عطوره وأزهاره 

لذلك تعد هذه الأمة الإسلامية من حيث نور العلم الديني فيها أمة مفاخر العلوم الربانية بصنفيها الكسبية والوهبية سواء في علم الفقه أو التفسير أو الحديث أو التصوف فحدّث بعد ذلك عن أساطين علماء هذه الأمة الشريفة وأساطيلها ممن جمعوا بين أصناف العلوم وتحققوا بسائر الفهوم ممن تم لهم مشاركة العلوم وجمع الفهوم سيوطي كل زمان وإلا فقد تكلم كل ذي فنّ في فنه من بقية الأساطين وكل ذي علم في علمه دون أن يدخل أحدهم بحرا غير بحره أو يتسور محرابا غير محرابه ولسان كل محب لهم ينشد : 

هؤلاء آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع 

يتبع إن شاء الله تعالى ...


عدل سابقا من قبل علي في الأحد 23 سبتمبر 2018 - 14:35 عدل 3 مرات

_________________
إِلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّي     مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّي  
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي      لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
avatar
علي

ذكر عدد الرسائل : 953
العمر : 47
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ما شاءالله لاقوة الا بالله

مُساهمة من طرف محمد حنان في الأحد 23 سبتمبر 2018 - 11:23

زادكم الله من فضله وإكرامه,وأكرمكم بخير ما أكرم به عباده المقربين 
أعلى الله مقامكم يا سيدي علي
avatar
محمد حنان

ذكر عدد الرسائل : 7
العمر : 29
تاريخ التسجيل : 07/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى