مواهب المنان
مرحبا بزائرنا الكريم
يمكنك تسجيل عضويتك لتتمكن من معاينة بقية الفروع في المنتدى
حللت أهلا ونزلت سهلا

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

مواهب المنان
مرحبا بزائرنا الكريم
يمكنك تسجيل عضويتك لتتمكن من معاينة بقية الفروع في المنتدى
حللت أهلا ونزلت سهلا
مواهب المنان
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» من رسائل سيدي فتحي السلامي القيرواني إلى بعض مريديه 1
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالسبت 17 سبتمبر 2022 - 13:21 من طرف صالح الفطناسي

» مذاكرة المشيخة ونص الإذن لسيدي فتحي السلامي
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالخميس 8 سبتمبر 2022 - 15:29 من طرف براء ايوب

» الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الوسائل إلى الله
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالجمعة 12 أغسطس 2022 - 23:28 من طرف أبو أويس

» الفرق بين صلاة الفرض وقيام الليل
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالجمعة 12 أغسطس 2022 - 18:31 من طرف أبو أويس

» من عف نفسه في الحرام أتاه الله به في الحلال
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالجمعة 12 أغسطس 2022 - 16:36 من طرف أبو أويس

» مهمتنا أن نقضي على المرض لا على المريض
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالجمعة 12 أغسطس 2022 - 16:31 من طرف أبو أويس

» مذاكرة مدنية عن سيدي الشيخ الحسن الهنتاتي رحمه الله
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالجمعة 12 أغسطس 2022 - 16:26 من طرف أبو أويس

» اللهم صل وسلم على عين الرحمة الربانية
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالجمعة 12 أغسطس 2022 - 16:23 من طرف أبو أويس

»  أحسنوا جوار نعم الله
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالجمعة 12 أغسطس 2022 - 16:09 من طرف أبو أويس

» صلاة بهجة القلوب
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالخميس 7 يوليو 2022 - 13:24 من طرف صالح الفطناسي

» أفضل ما يقال في يوم عرفة
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالأربعاء 6 يوليو 2022 - 14:21 من طرف أبو أويس

» من أهم الرسائل (دستور الصوفية)
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالجمعة 1 يوليو 2022 - 11:49 من طرف أبو أويس

» رسالة من شيخنا سيدي إسماعيل الهادفي رضي الله عنه لبعض المحبين
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالجمعة 24 يونيو 2022 - 17:09 من طرف أبو أويس

» الاتبياء و المرسلين 25
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالخميس 2 يونيو 2022 - 14:47 من طرف صالح الفطناسي

» صلاة النور المضيء
رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Icon_minitimeالخميس 2 يونيو 2022 - 14:39 من طرف صالح الفطناسي

منتدى
"هذا مذهب كلّه جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل. "
قال أحمد الخرّاز: " صحبت الصوفية ما صحبت فما وقع بيني وبينهم خلاف، قالوا: لماذا، قال: لأني كنت معهم على نفسي"
سبتمبر 2022
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 

اليومية اليومية


رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف

2 مشترك

اذهب الى الأسفل

رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Empty رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف

مُساهمة من طرف عبدالله الثلاثاء 12 مايو 2009 - 19:21

رسالة الى كل منكر للتصوف من العارف بالله العلاوي .. تزيل الحجب عن عيونهم

الجزء الأول

بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمد أحبابه الذين هم عن طريق الحق مدافعين وللواء العزة رافعين ولتنزيه مولاهم الكريم عاكفين ... أخرجو من سواه من قلوبهم فطرهت به
فهو الله الذي لم تسعه أرضه ولا سمائه ولكن وسعه قلب عبده المؤمن ... المؤمن الخاضع لأمر مولاه . فإني وجدت أروع ما كتب وأقواه دفاعا عن طريق القوم اهل الإحسان ما كتبه أهل الحقيقة أنفسهم لأنهم حينما نطقوا فإنما الله منطقهم ومحركهم .... سبحانه وجلت من خشيته قلوبهم ودمعت من خيفته عيونهم ... والصلاة والسلام على طبيب قلوبهم سيدنا محمد المحبوب لديهم وعلى آله وصحبه ومن سار على طريقتهم ونهجهم فالطريق طريقهم وما صح عنهم . وبعد فإني أضع بين أيديكم تحفة عرفانية لم تلتذ عيني بمثلها في الدفاع عن أهل الحقيقة باسلوب يعكس تمكن الكاتب وتبصره وحكمته في الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة .... وهي رسالة من مولانا العارف بالله السيد أحمد العلاوي رحمه الله يرد فيها على فقيه مكي وعلى كل وهابي قد شنع على أهل الله نصاحا إخواني تدبر ما فيها من أحكام وأسرار لتعينهم في هذه الدار في الرد على أهل التكفير باسلوب يقنعهم ....
فأقول مبتدئا ببسم الله الرحمن الرحيم......

رسالة للشيخ عثمان ابن المكّي المدرس بمدينة تونس بجامعها الأعظم :
الحمد لله الذي عافانا ممّا ابتلى به كثيرا من خلقه والصلاة والسلام على النبيّ وأله أمّا بعد : فمن كاتبه كثير المساوىء عبد ربّه ( أحمد بن مصطفى العلوي ) منّ الله عليه بالتوفيق والهمّة والمؤمنين إلى أقوم طريق : إلى الفقيه المكّي الشيخ سيدي ( عثمان ابــن المكّي ) المدرس بمدينة تونس بجامعها الأعظم زاده الله عمرانا على عمران، وطهّره من كلّ متمرّد شيطان، عليكم سلام الله ما كنتم محترمين لأهل نسبة الله ( ومن يعظّم حرمات الله فهو خير له عند ربّه / الحج آية / 30 ) .

إنّي كنت قد عثرت على رسالة نمقتموها بقلمكم تسمى ( المرآة إظهار الضلالات ) فتناولتها بيد الاعتبار لنتصفحها بفؤاد الاستبصار، فعرضني ما فيها ألزمني الفشل وأورثني الكلل فتأسفت بقدر ما استبشرت، لما اشتملت عليه مرآتكم من العضّ وتمزيق العرض، فهي ترمي بشرر كالقصر نحو الذاكرين، وتحطّم بالجهر لحم المؤمنين .

وبمناسبة ما اشتملت عليه مرآتكم من الزور، وارتكبتموه فيها من الفجور، فطعنتم في أعراض أهل نسبة الله بكلّ لسان وذكرتموهم بكلّ زور وبهتان، فحركتني الغيرة الإلهيّة والحميّة الإسلاميّة على أن نكاتبكم احتراما للمنتسبين حيث شوهتموهم وانتصارا للذاكرين حيث خذلتموهم، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال : ( من ردّ عن عرض أخيه ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة ) رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في صحيحه، وقد قال أصدق القائلين سبحانه
وتعالى : ( وهو يتولّى الصالحين / الأعراف آية / 196 )، فمن بارزهم فقد بارز الله، والمنتصر لهم
منتصر لله : ( سنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلا / الأحزاب آية / 62 )، ولا بدّ من ودود يمدح وحسود يقدح، فالانتقاد على أهل نسبة الله عموما والتجاهر برد مذهبهم كما فعلته أنت أيّها الشيخ حيث استدللت عليه بأنّه بطالة وجهالة وضلالة فقد تظاهرت بشيء لم يتظاهر به غيرك من علماء الدين، وبالجملة فإنّ قلوب أهل السنّة جبلت على حبّ التصوّف وأهله، وتجد كلّ من سعى في تنقيص مذهبهم يسقط من عيون الخصوص والعموم، وليس ذلك إلاّ دلالة على سقوطه من عين الله والعياذ بالله، وها أنا استطرد لك ما ربّما يردعك إن شاء الله نصيحة في ذات الله ( ويحذركم الله نفه / آل عمران آية / 30 )، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حديث طويل : ( من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب ) رواه البخاري في صحيحه، وحيث قد قيل : بأنّه لا يسلم كلّ من طعن في أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأولياء أمّة الإسلام، وأقوال العلماء كثيرة منها ما ذكره أبو المواهب التونسي عن شيخه أبي عثمان رضي الله عنهما أنّه كان يقول في الدرس على رؤوس الأشهاد : لعنة الله على من أنكر على هاته الطائفة، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل لعنة الله عليه، وكان اللقاني رضي الله عنه يقول : يخشى على كلّ من تكلّم فيهم يعني الصوفيّة سوء الخاتمة، وحتى لو قلنا لو لم يصحّ عندك من أحوال الصوفيّة إلاّ كونهم مسلمين لوجب عليك احترامهم وحرّمت عليك أعراضهم، فتكف حينئذ عن التتبع لعوراتهم، حذرا ممّا حذرك منه الشارع، حيث إنّه ورد بأنّه من أشدّ على مسلم عورة يشينه بها بغير حق شانه الله بها في النار يوم القيامة، ولو تتبعت عورات نفسك لوجدت فيها ما يغنيك عن تتبع عورات الغير، ولكن مثلك يجري عليه كما قالـوا : يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينيه، فإن كنت منصفا فكتابي هذا حاجة إليك وإلاّ فهو حجّة عليك، فإنّي ما كتبت به إليه إلاّ وأنا أرجو الله أن ينقذك ممّا أنت فيه بسببه أو ينقذ من هو على شاكلتكم أو من سرت فيه إشارتكم بسبب نظرته في مرآتكم المكسوفة أو مجالسكم المأسوفة، وها أنا أذكركم من الجذوع المنسيّة في أعينكم لولا أن أظهرها الله بسبب مرآتكم من ذلك أنّكم قلتم في صدر ما جمعتموه من الطعن في أعراض المسلمين .

( 1 ) : ( الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو أن هدانا الله )، وإنّي لم أدر هل أردتم بذكركم هاته الآية الكريمة مجرد التبرّك بها ؟، أم أشرتم لما هداكم الله إليه من الطعن في أعراض الذاكرين ونحوهم فاعتقدتم أنّ ذلك من الهداية، فإن كان بالمعنى الأول فحسن وإن كان بالمعنى الثاني، فإنّه لم يظهر وجه الهداية بالتعرّض لأهل الله بالغيبة ونحوها إلاّ إذا كانت الهداية من قبيل قوله عزّ وجلّ : ( فاهدوهم إلى صراط الجحيم / الصافات آية / 23 )، وما هو من هذا القبيل ثمّ إنّكم سميتم ما جمعتموه ( بالمرآة لإظهار الضلالات )، قلت : إنّكم أصبتم في الاسم، وأصبتم في مسمّاه، أمّا إصابتكم في الاسم فإنّها أظهرت مرآتكم ما كان كافيا فيكم، ولولاها من يعلم بضلالتكم فكتاب المرء عنوان عقله وما فيه يظهر على فيه، فالتهمة لا تنفك عنكم .
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة + وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
أو ليس قد تقرّر لدى الفكر العام بالتواتر أنّ مجلسا من مجالس الذكر يمحو عدّة مجالس من مجالس السوء، وهذا ممّا أطبقت عليه عقائد الأمّة خصوصا وعموما، فقمت أيّها الشيخ تبرهن في مرآتكم على أنّ المجالس المعدّة للذكر على اختلافها بين طبقات الذاكرين بدعة ضالّة على خلاف ما كان عليه السلف دون أن تذكر وجه مجالس الذكر المندوب لها شرعا، ومن المعلوم أنه يقع من يعتني بكلامك في حيرة، وكلّ ذلك أصابك ولعلّه من عدم الفقه في دين الله، ولهذا اشترط عليه الصلاة والسلام في حق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه، لئلا يأمر بمنكر وينهى عن معروف، ومن أجل ذلك تورّع أكابر العلماء عن القول في دين الله بغير نصّ صريح، أو ما هو كالصريح، ذكر ابن عبد البر، عن عطاء رضي الله عنهما، أنّه قال : ( لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس، وإن لم يكن كذلك ردّ من العلم ما هو أوثق من الذي هو في يده )، فإنّ من الحق عليك أن تنكر ما علمت إنكاره من الدين بالضرورة، وتأمر بما تحققت معروفيته من الدين بالضرورة، وتحسن الظنّ فيما تفرّع عن اجتهاد المجتهدين من أئمة الدين من الصوفيّة وغيرهم، أو ليس في علمك قد يوجد من المشتبه ما ثبت حرمته في مذهب وإباحته في آخر، أو ندبه في مذهب، وكراهيته في الآخـــــر ؟ .

وأمّا ما استدللتم به من قوله تعالى : ( كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر / آل عمران آية / 110 )، فأقول : إنّه لا نزاع فيما استجلبتموه من النصوص على كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث حملتموه على غير محمله حسبما يقتضيه صنيعكم من إدخالكم حلق الذكر وما عليه المتصوّفة تحت حيّز المنكر الذي يجب تغيره، وفي ظنّي أنّ المنكر الذي أولى بالتغير هو ما اعتقدتموه وأبديتموه في مرآتكم، فإنّ وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي وظيفة الصديقين والأنبياء والمرسلين ويكون أمرهم ونهيهم عائدين على من سواهم من الأمم، ثمّ إذا حملنا الضمير على المعنى الآخر في قوله تعالى : ( كنتم خير أمّة )، فلا يتعيّن صرفه على الوجه المطابق لما في نفس الأمر إلاّ لهداة الخلق الداعين للحقّ بالحقّ الذين قال فيهم عليه الصلاة والسلام، فعن عبادة بن الصامت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : ( الأبدال في هذه الأمّة ثلاثون مثل خليل الرحمن عزّ وجلّ كلّما مات رجل أبدل الله تبارك وتعالى مكانه رجلا ) رواه الإمام أحمد في مسنده، وهكذا ما من نبيّ إلاّ وعلى قلبه طبقة من أمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وفي ظنّي أنّ الطبقة المشار إليها لا توجد غالبا إلاّ في حيّز الذاكرين ( المستهترين ) بذكر الله، ولا يوجد المستهتر المولع بذكر الله إلاّ في حيّز المتصوّفة التي قلت أنت بتبديعهم، وأمّا سواهم فلا يبلغ في ذكر الله مبلغهم كائنا من كان إلاّ إذا كان محبّا لهم أو من أسلافهم، أو من أهل سلسلتهم وهذا بقطع النظر عن القرون الثلاثة المشهود لهم، ولكن هذا يتضح عند من يعرف معنى التصوّف ومن هم المتصوّفة، وأمّا من يعتقد أنّهم عبارة عن اجتماع غوغاء من أرذل الناس، فلا يهتدي لما ذكرناه، فوالله يا أخي لو أطلعك الله على معنى التصوّف، ومبادئه وغايته، لاكتفيت من الله بالتطفّل على أهله، وأمّا ما استدللتم به من قوله تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر / التوبة آية / 71 )، فأقول : إنّكم أخذتم الشق الآخر من الآية، وأهملتم ما اشتمل عليه الشقّ الأول منها مع أنّه عمدة فيما بعده وهو ما يتعين من ولاية المؤمنين لبعضهم بعضا، وما يترتب على ذلك من حرمة أموالهم وأعراضهم ودمائهم فيما بينهم، وعلى هذا ينبغي لمن أهلّه الله للكلام أن لا يبسط لسانه إلاّ بما يقضي بالمحافظة على الروابط الإسلاميّة، والأخوة الدينيّة، ولا يجرح عقائد أهل القبلة، ولا يقبّح معتقداتهم، ولا يحكم ببطالتهم لئلا يكون ذلك ذريعة للانشقاق والتنافر فيما بين المسلمين وعدم الوفاق، فبالله عليك يا شيخ كيف قمت تسعى في تحريك الفتن الخامدة، فعمدت إلى هدم أعظم ركن في الإسلام، وأعظم قاعدة اعتمد عليها المسلمون، وتربّت قلوبهم عليها أي محبّة أهل نسبة الله فهم الآن يعتبرونهم، ويعظمونهم محسنين الظنّ في التصوّف وأهله فقلت أنت إنّ مذهب التصوّف بطالة وجهالة وضلالة إلى آخر ما حملت عليه، فكسرت والله قلوبا يتعذّر عليك جبرها إلاّ بتوبة نصوحة واعتذار لأربابها، وظنّي فيكم أنّ بضاعتكم في العلم قليلة أو قريحتكم في الفهم كليلة أو هما معا، وعلى كل حال فإنّك غاليت في الجحود، وإلاّ فشهرة أهل التصوّف تغني عن إقامة الشهود، وعلى كلّ حال فإنّي أوصيك إن طالت بك الحياة وأردت أن تجمع شيئا من المسائل العلميّة، أو من النصائح الدينيّة فلا تأتي إلاّ بداعي الاتحاد ما بين أفراد الأمّة المحمديّة أي بما يؤكد بينهم الروابط الدينيّة والأخوة الإسلاميّة .
يتبع
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 177
العمر : 63
العمل/الترفيه : طالب علم
تاريخ التسجيل : 09/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Empty رد: رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف

مُساهمة من طرف عبدالله الثلاثاء 12 مايو 2009 - 19:28

الجزء الثاني

أمّا استدلالكم بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( أنّ التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مؤمنا بالقرآن إلى آخره )، وهل تظن أنّه عليه الصلاة والسلام يريد بنفي الإيمان مطلقــا ؟، كلا، وإلا لهلكت الأمّة، وإنّما يريد به نفي الإيمان الكامل التي هي درجة الصديقيّة كما يشهد لذلك عدّة أحاديث فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ) رواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه، والنسائي والترمذي والدرامي في سننهم، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال : ( قيل يا رسول اللـه : متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟، قال : إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم، قلنا يا رسول الله : وما ظهر في الأمم قبلنا : قال الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم ) رواه ابن ماجة في سننه، ثبت أنّ بعض الصحابة رضوان الله عليهم تعيّن عليه عتق رقبة مؤمنة فجاء بجارية سوداء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ليمتحن إيمانها فقال لها عليه الصلاة والسلام : أين ربّـك ؟، فأشارت إلى السماء، فقال : مؤمنة فأعتقها، والذي يشهد لهذا من أنّه ليس المراد به نفي الإيمان العام هو ما نقلته أنت عن ابن عرفة من أنّه فرض كفاية، ولكنّك بنيت بما قدمته من الأحاديث قصرا، ثمّ هدمت بما ذكرته عن ابن عرفة مصرا .

( 2 ) : ثمّ إنّكم بعد ما فرغتم من مقدمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر توجهتم، لتغيير ما اعتقدتموه منكرا، وهو ما عليه الصوفيّة من الاجتماع على الذكر والصلاة على النبيّ، وتلاوة القرآن، قلتـــم : ( فصل : سئل الحسن البصري عن اجتماع جماعة من أهل السنّة والجماعة يقرؤون القرآن في بين أحد، ويصلّون على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويدعون لأنفسهم ولجماعة المسلمين، فنهى عن ذلك أشدّ النهي، لأنّه لم يكن من عمل السلف الصالح فليس من الدين فقد كانوا أحرص الناس على الخير من هؤلاء، فلو كان فيه خير لفعلوه ) .

قلت : فإذا كان هذا الذي ضاق به صدرك من أحوال القوم حتى أنّك لم تجد له قولا بالجواز، حيث إنّهم يجتمعون في بيت أحدهم يقرؤون القرآن ويصلّون على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويدعون لأنفسهم ولجماعة المسلمين فظهر لك أنّه معصية مخالف لما كان عليه السلف .
فأنا أقول : اللّهم اجعل معاصينا ومعاصي أصدقائنا ومعاصي عموم المسلمين من هذا القبيل إن كان بالاجتماع على وجه ما ذكرتموه، وإن كان فيه زلّة لم تتضح، فالله يعصمنا وإيّاكم من الزلل، ثمّ أقول إنّ هذا النقل إن صحّ عن الحسن البصري رضي الله عنه فلا يفيدنا عموم النهي عن الاجتماع بصفة ما ذكر، وإن كان الحسن مجتهدا فلا يبعد أن يكون مجتهد غيره في عصره إن لم نقل في تلك الجماعة نفسها، لأنّ العصر عصر التابعين وثانيا إنّ هاته الواقعة تصلح أن تكون حجّة للصوفيّة لا عليهم حيث إنّكم قررتم أنّ الاجتماع وقع بتلك الصفة في عصر التابعين لأنّ المتعين علينا الاهتداء بهداهم، وهل تظنّ أنّ هاته الطائفة الميمونة وضعت دعائمها على غير أساس متين؟ ( أو لم تعلم أنّ الحسن البصري الذي نقلت عنه هو أستاذ هذه الطائفة كما هو مشهور في سلسلة القوم لقنّه الإمام عليّ كرّم الله وجهه وهو لقنّ داود الطائي ويوسف العجمي، وغيرهما إلى أن وصلت إلى الجنيد، ومن طريق آخر إنّ الإمام عليّا كرّم الله وجهه لقنّ ابنه الحسن رضي الله عنهما، وهو لقنّ أبا محمد جابر، وهو لقنّ السيد سعيد القزويني إلى أن وصلت إلينا، والحمد لله )، ولعلكم تجهلون أصل التلقين في الشرع حسبما يظهر وإلاّ لما أنكرتم التصوّف وأهله، ولهذا ألزمني أن استطرد لك جملة أمّا أن تكون لك حجّة أو عليك حجّة .

ذكر الإمام الشعراني في كتابه ( النفحات القدسيّة ) في بيان قواعد الصوفيّة ما نصه : ( قال الأشياخ : والسرّ في التلقين ارتباط قلوب المريدين بأشياخهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى جبريل عليه السلام إلى الله تبارك وتعالى في المحبّة والانقياد، ولذلك كان الإنسان إن لم يقل لا إله إلاّ الله امتثالا ولقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - قل لا إله إلاّ الله - لا يحكم بإسلامه، ثمّ قال : أول ما يحصل للمريد إذا دخل في سلسلة القوم بالتلقين يكون إذا داهمه أمر وتشوش منه قلبه واضطرب جاوبته أرواح الأولياء من شيخه الأدنى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى حضرة الله عزّ وجلّ، فيزول كربه وهمّه ومن لم يدخل في طريق القوم بالتلقين فلا تجيبه روح أحد من أهل الطريق، لعدم ارتباطه بهم فحكم ذلك كسلسلة الحديد إذا حرّكت منها حلقة جاوبتها بقيّة الحلقات ) .
وإذا علمت ذلك فأقول : وبالله التوفيق، فعن يعلى بن شدّاد رضي الله عنه، قال : حدثني شدّاد بن أوس، قال : كنّا عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال : ( هل فيكم غريب يعني أهل الكتاب، فقلنـا : لا يا رسول الله، فأمر بغلق الباب، وقال : ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلاّ الله، فرفعنا أيدينا ساعة، ثمّ وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده، ثمّ قال : الحمد لله، اللّهم بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنّة وإنّك لا تخلف الميعاد، ثمّ قال : ابشروا فإنّ الله عزّ وجلّ قد غفر لكم ) رواه الإمام أحمد في مسنده، ففي الحديث دلالة للأشياخ في تلقينهم الذكر للمريدين جماعة، وأمّا تلقينهم فرادى فأخرج الشيخان والحافظ والجلال السيوطي رضي الله عنهم من طرائق متعدّدة حسن أحاديثهم عن عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم وجهه، قال : سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت : يا رسول الله دلّني على أقرب الطرق الموصلة إلى الله عزّ وجلّ، وأسهلها على العباد، وأفضلها عند الله تعالى، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( يا عليّ عليك بمداومة ذكر الله سرّا وجهرا، فقال رضي الله عنه : كلّ الناس يذكرون وإنما أريد أن تخصّني بشـيء، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : مه يا عليّ أفضل ما قلته أنّا والنبيّيون من قبلي لا إله إلاّ الله، ولو أنّ السّماوات السبع والأرضين السبع وضعن في كفة ولا إله إلاّ الله في كفة لرجحت لا إله إلاّ الله، ثمّ قال : يا عليّ لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول الله، الله، فقال عليّ : كيف أذكر يا رسول الله ؟، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : اغمض عينيك واسمع منّي لا إله إلاّ الله ثلاث مرات ثمّ قل أنت ثلاث مرات وأنا أسمع )، الحديث بمعناه في البعض، فهذا أصل سند القوم، وعندما أمر النبّي صلّى الله عليه وسلّم بغلق الباب في تلقينه أصحابه جماعة كما تقدّم، وقال : هل فيكم غريب لينبه إلى أنّ طريق القوم مبنيّة على الستر، وصفاء الوقت من حضور من ليس منهم ولا يؤمن بطريقتهم، فلربما احتقر ما هم عليه لقصوره عن فهمهم .

قال يوسف الكوراني رضي الله عنه : إنّ عليّا كرّم الله وجهه لقنّ الحسن البصري، وهو لقنّ داود الطائي، ومنه الإمام الجنيد شيخ الطائفة، وعنه تفرّع وانتشر التصوّف في أصحابه وهلم جرّا، ولا ينقطع حتى ينقطع الدين آه، بحروفه، نقله في ( النصرة النبويّة ) .
وفي روح البيان عند قوله تعالى : ( إنّ الذين يبايعونك إنّما يبايعون الله / الفتح آية / 10
قال صاحبه : من هنا تتخذ سنّة المبايعة وتلقين المشايخ للمريدين، ومثل هذا لا يحتاج إلى بيان عند أربابه، ثمّ قل لي أشهدك الله هل لك سند بالخصوص في لا إله إلاّ الله حسبما دلّت عليه الأحاديث السابقة ؟، وما أظــن .

ولنرجع إلى الكلام على الاجتماع إن كان حسبما ذكر أعلاه، فأقول : بالله عليك أي ضرر يلحق الدين إذا اجتمعت شرذمة من المسلمين في بيت من بيوت الله، أو في بيت من بيوت المؤمنين على تلاوة القرآن وما هو من هذا القبيل ؟، فإن كان استبعادك لمجرد ما نقلته من أنّ رجلا ذهب إلى الحسن البصري فأخبره بذلك الاجتماع، فنهى عنه أشدّ النهي حسبما ذكرت، فهو دليل لا تقام عليه الحجّة به على صحتّه لأنه معارض للأثر الصحيح والحديث الصريح .
ويا لله العجب، كيف بلغك ما ورد عن الحسن البصري رضي الله عنه في النهي عن الاجتماع لأجل الذكر، وأنّه شدّد النكير على ذلك، ولم يبلغك ما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( إنّ لله ملائكة سيّاحين في الأرض فضلا عن كتّاب النّاس، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى بغيتكم، فيجيئون فيحفون بهم إلى السماء الدنيا، فيقول الله : أي شيء تركتم عبادي يصنعون ؟، فيقولون : تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك، فيقول : هل رأوني ؟، فيقولون : لا، فيقول : فكيف لو رأوني ؟، فيقولون : لو رأوك لكانوا أشدّ تحميدا وتمجيدا وذكرا، فيقول : فأي شيء يطلبون ؟، فيقولون : يطلبون الجنّة، فيقول : وهل رأوها ؟، قال : فيقولـون : لا، فيقول : فكيف لو رأوها ؟، فيقولون : لو رأوها كانوا أشدّ عليها حرصا وأشدّ لها طلبا، قال : فيقول : ومن أي شيء يتعوذون ؟، فيقولـون : من النار، فيقول: وهل رأوهـا ؟، فيقولون : لا، قال : فيقول : فكيف لو رأوها ؟، فيقولون : لو رأوها كانوا أشدّ منها هربا وأشدّ منها خوفا، قال : فيقول : إنّي أشهدكم أنّي قد غفرت لهم، قال : فيقولون : فإنّ فيهم فلانا الخطاء لم يردهم إنّما جاء لحاجة، فيقول : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ) رواه الإمام أحمد في مسنده، فانظر بارك الله فيك هذه الجماعة التي أخبرت بها
ملائكة ربّ العالمين، أليست هي نظيرة النكير فيما قال الله سبحانه وتعالى يوسّع على الذاكرين،
ويعدهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأنتم قابلتموهم بالنقمة نظير ما قابلهم الله به من رحمة، فما بالك تركت ما أفتى به الحقّ سبحانه وتعالى في أهل مجالس الذكر على لسان رسوله، وبموجب لما وراء ذلك، فأخذت تقابل الشيء بنقيضه، أو ليس هذا منك تحريفا في شرع الله ؟، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال : ( لأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها ولأن أذكر الله مع قوم بعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها ) رواه البيهقي في سننه، وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( قص فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربع رقاب، وبعد العصر حتى تغرب الشمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربع رقاب ) رواه الإمام أحمد في مسنده، وعن معاوية رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على حلقة من أصحابه فقال : ( ما يجلسكم ؟، قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للإسلام ومنّ علينا به، فقال : الله ما أجلسكم إلاّ ذلك ؟، قالوا : الله ما أجلسنا إلاّ ذاك، قال : إنّي لم أستحلفكم لتهمة لكم إنّه أتاني جبريل فأخبرني أنّ الله يباهي بكـم ) رواه الترمذي في سننه، وعن أبي رزين رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال لـه : ( ألا أدلّك على ملاك الأمر الذي تصيب به خير الدنيا والآخـرة ؟، قال : بلى، قال : عليك بمجالس الذكر وإذا خلوت فحرّك لسانك بذكر الله عزّ وجلّ ) أخرجه الأصفهاني في الترغيب .

ثمّ أقول : ولعلّك قد كنت في غفلة عن هذا فقد يقول الحقّ لك : ( فكشفنا عنك غطاؤك فبصرك اليوم حديد / ق آية / 22 )، فتأمّل ما جاءك عن الرسول إن كنت تزعم أنّك من أمتّه فحديث واحد يكفيك العمل به في مشروعيّة مجالس الذكر، والذي يزيدك يقينا من أنّها كانت على عهد النبّي صلّى الله عليه وسلّم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال : ( جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين وأنّ بعضهم ليتستر ببعض من العري وقارىء يقرأ علينا، إذ جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقام علينا، فلمّا قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سكت القارىء، فسلّم، ثمّ قـال : ما كنتم تصنعـون ؟، قلنا : يا رسول الله إنّه كان قارىء يقرأ علينا فكنّا نستمع إلى كتاب الله قال : فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم، قال : فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسطنا ليعدل بنفسه فينا ) رواه أبو داود في سننه، أو لا يكفيك هذا في مشروعيّة مجالس الذكر في زمانه صلّى الله عليه وسلّم ؟، ومثله ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنّه كان يأخذ بأصحابه في الذكر حتى إذا ملّوا أخذ بهم في غيره، نقله في ( النصرة النبويّة ) .

ولعلّه رفع أصواتهم بالذكر وبسببه أنّه لم يبلغك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال : ( إنّ رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن عباس : كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته ) رواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه، وكذلك أقول إنّه كان على عهد الخلفاء، فقد روي أنّ أناسا كانوا يذكرون الله عند غروب الشمس يرفعون أصواتهم فإذا خفيت أرسل إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن نوهوا الذكر أي ارفعوا أصواتكم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( من قال لا إله إلاّ الله ومدّ بها صوته أسكنه الله دار الجلال ورزقه النظر إلى وجهـه ) رواه أبو شجاع الديلمي في مسند الفردوس، أو ليس في هذا أبلغ حجّة على مشروعيّة الجهر بالذكر ؟، حتى لو قلنا إنّك لم تجد له نصّا في الاجتماع عليه بصوت واحد كان من حقّك أن تقول فيه ما قالت الفقراء في اجتماع المؤذنين على صوت واحد .

يتبع
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 177
العمر : 63
العمل/الترفيه : طالب علم
تاريخ التسجيل : 09/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Empty رد: رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف

مُساهمة من طرف عبدالله الثلاثاء 12 مايو 2009 - 19:30

الجزء الثالث


وإن أردت الاستطلاع على ذلك والتتبع لفتاوى الفقهاء الماهرين والأئمة العاملين في ذلك، فانظر ما على هامش رائية الشريشي فقد جمع من فتاوى الفقهاء قديما وحديثا ما يتعذّر عليّ نقله، ولا تظنّ أنّ المومى إليهم هم من أطراف الفقهاء، أو هم ممن اشتهروا بالتصوّف حتى تطرقهم التهمة، لأنّ المذهب عندك متهم، إنّما هم من محقّقي مذهب الإمام مالك كالشبرخيتي، وأضرابه، ومن محقّقي مذهب الإمام الشافعي كجلال الدين السيوطي وأصحابه، ومن محقّقي مذهب أبو حنيفة كالفيروزبادي صاحب ( القاموس ) وأمثاله، ومن هذه الطبقة جماعة .

تنكّر أبي العباس بن شريح مرّة، وقد كان عالما، ثمّ حضر مجلس أبي القاسم الجنيد، ليسمع منه شيئا ممّا يشاع عن الصوفيّة، فلمّا انصرف، قالوا له : ما وجدت ؟، فقال : ( لا أدري ما يقول، ولكن أجد لكلامه صولة في القلب ظاهرا تدلّ على عمل في الباطن وإخلاص في الضمير، وليس كلامه كلام مبطل )، نقله من ( النصرة النبويّة ) .
ثمّ أقول لكم : يا أخي ما هكذا بلغنا عن أسلافكم من علماء تونس ونواحيها إنّما المشتهر عنهم احترام مذهب التصوّف وتعظيم أهله، وقد وصلت إليهم فتوى في عصر شيخ الإسلام محمد بيرم في مسألة ما عليه القوم فأجاب عن ذلك بجواب طويل منه أنّه قال : إنّ هذا الطريق له سند بصاحب الشرع الشريف صلّى الله عليه وسلّم، فهذا لا شكّ أنّه من أصول قاعدة ديننا المتين، ثمّ قال : نقل الحموي عن الإمام الشعراني ما نصّه : أجمع العلماء سلفا وخلفا على استحباب ذكر الجماعة في المساجد وغيرها إلاّ أن يشوّش جهرهم على نائم أو مصلّ أو قارىء ..الخ، فإنّه قد ذكره صاحـب ( النصرة النبويّة ) بطوله .

عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حديث طويل : ( فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهدّيين عضوا عليها بالنواجذ ) رواه الترمذي وابن ماجة في سننهما، لعلمت اجتهاد المجتهدين هو من السنّة، لأنّهم خلائف في الأرض، وقد انعقد الإجماع على أمانتهم، كان من حقّك على الأقل أن تعتبر أنّ المؤسس لمذهب التصوّف من أحد المجتهدين في الدين، لاجتهاده في مقام الإحسان فهو كالأشعري في مقام الإيمان، ومالك ونحوه في مقام الإسلام، والدين مجموع الثلاثة كما قال في الحديث المشهور، وهذا إذا لم يتضح لك ما عليه القوم من الإجماع هو مأخوذ من صريح الشرع حسبما دلّت عليه الأحاديث التي تفيد الترغيب في مجالس الذكر وحتى لو قلنا إنّ ما عليه القوم أنّه بدعة إلا يصلح أن يكون من البدع المستحسنة المسمّاة بالسنّة المأخوذة من قوله عليه الصلاة والسلام، فعن ابن جرير عن أبيه رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّـم : ( من سنّ سنّة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ سنّة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيـئا ) رواه ابن ماجة في سننه، فتأمّل كيف سمى البدعة سنّة، ألم يبلغك أنّ الاجتماع على قيام رمضان في المساجد هو ما ابتدعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان سنّة متبعة، وقال فيها رضي الله عنه فنعمت البدعة .

ثمّ إنّك أخذت في تزييف البدع وفي ظنّي أنّك لا تميّز بين البدعة المستحبّة المعروفة بالسنّة، وبين ما هي خلاف ذلك، قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : ( إنّ البدعة ما خالفت كتابا أو سنّة أو إجماعا أو أثرا، وما لم يخالف شيئا من ذلك فهي المحمودة )، وفي ظنّي أنّك تسلم أنّ الاجتهاد من خصائص هذه الأمّة، وتعلم أنّ أركان الدين الثلاثة ( الإسلام، الإيمان، الإحسان )، فلم تسلم اجتهاد الأئمة الأربعة ونحوهم في مقام الإسلام، وتسلم اجتهاد الأشعري والماتريدي في الاعتقاد الذي هو مقام الإيمان، ولا تسلم اجتهاد الجنيد وعصابته في مقام الإحسان، وهل تعتبر الإحسان ركنا ؟، لا، والله ما هكذا ظنّي فيكم إن تغفلوا عن الأهم .

وإذا تقرّر لديك ما تقدّم من الترغيب في مجالس الذكر، فقل لي : بالله عليك أين يوجد هذا الاجتماع المرغب فيه ؟، هل هو في غير البسيطة، أم هو في غير أمّة محمد ؟، أم هو يسمع ولا يرى ؟، وفي ظنّي إنّك احتقرت المنتسبين المجتمعين على الذكر، وإلاّ حسدتهم فيما هم عليه، أليس وهم المتحابّين الذين يقول فيهم الحقّ سبحانه وتعالى يوم القيامة ويناديهم، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( يقول الله عزّ وجلّ : المتحابّون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيّيون والشهداء ) رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، ألم تعلم أن محبّة الله هي عبارة عن حبّ الذكر والذاكرين ؟، ألم تعلم أنّ الله يغير على أهل نسبته ولو كانوا كاذبين ؟ .

وأيّ معصية أشنع من تطبيقك جميع ما ورد في أهل الزيغ والضلالة على جماعة الصوفيّة ؟، ولم يكفك ذلك حتى جعلتهم فرقة من فرق أهل النار مستدلا بقوله، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( ليأتيّن على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمّه علانية لكان في أمتّي من يصنع ذلك، وإنّ بني إسرائيل تفرّقت إلى ثنتين وسبعين ملّة وتفترق أمتّي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة، قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟، قال : ما أنا عليه وأصحابي ) رواه الترمذي في سننه، وهذا صريح في أنّك تعني أنّ فرقة أهل التصوّف واحدة من تلك الفرق، وإنّي أحكمك لله ولرسوله ولصالح المؤمنين فيما بينك وبين الصوفيّة، وهلا نقلت حديثا نقله الإمام الغزالي في كتابه المسمّى ( بفصل التفريقـات ) وهو قوله عليه الصلاة والسلام ( ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلّهم في الجنّة إلاّ الزنادقة )، ولكن هذا لا يقع عليه بصرك وإنّما يقع على ما يساعدك في الحكم على سائر أفراد المسلمين بالنار حتى تخلو لك الجنّة أنت ومن هو على شاكلتك لا غير، ولا تجد من يرفع عنك معضلتك إلاّ صوفيّ ومحال أن تتنزل له لأنّ الحسد باب الإنصاف ويقطع لسان الاعتراف .

وأنا أقول : إنّ الله سبحانه وتعالى عند ظنّ كلّ مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر مهما اجتهد لنفسه بما يقرّبه إلى الله، فإن أصاب فله أجران، وإن لم يصب فله أجر، فهو مأجور على كلّ حال أحببت أم كرهت، لأنّ الخلق ما كلّفوا إصابة الصواب، إنّما كلّفوا الظنّ بأنّه صواب، وجميع ذلك ممّا يقتضيه تسامح الشرع الأحمدي المشار إليه بقوله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج / الحج آيــة / 78 )، يروى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنّه قال : ( إنّ شريعتي جاءت على ثلاثمائة طريقة ما سلك أحد طريقة منها إلاّ نجا ) رواه الطبراني في سننه، ويروى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنّه قال : ( ما من أمّة إلاّ وبعضها في النار وبعضها في الجنّة إلاّ أمتّي فإنّها كلّها في الجنّة ) ذكره السيوطي في الجامع الصغير، فلما لم تصادف هذه الأخبار التي تفيد الوسع وتقضي على الأمّة بالنجاة ؟، ولكنّك تنظر بالعين العوراء، فلهذا أراك إلى الآن لم تترك نصّا يقضي على الذاكرين بالدمار والخروج من سعة رحمة الله التي وسعت كلّ شيء إلاّ وألصقته بجانبهم .

( 3 ) : إنّك اعتبرت مذهب التصوّف بطالة وجهالة وضلالة واستشهدت، قال الأستاذ أبو بكر الطرطوشي : ( مذهب الصوفيّة بطالة وجهالة وضلالة فما الإسلام إلاّ كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم )، فأقول : فما أجراؤك على أهل نسبة الله، وما أحدّ لسانك في أكل لحوم أهل الله، والله لأن تهدم الكعبة أولى لك من أن تتفوّه بمثل هاته المقالة، لقد عرف التصوّف علماء الدين، وحكماء المسلمين بخلاف ما عرفته، فقالوا : إنّ التصوّف عبارة عن تدريب النفس على العبوديّة، وردّها لأحكام الربوبية، التصوّف الخروج من كلّ خلق دني، والدخول في كلّ وصف سني، وقال أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه : التصوّف هو أن يميتك الحقّ عنك ويحييك به، فالصوفيّ يحاسب نفسه على الأنفاس، فعن شداد ابن أوس رضي الله عنه، عن النبّي صلّى الله عليه وسلّم، قال : ( الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله )، ومعنى دان نفسه يقول : حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة، ويروى أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر ..الخ ) رواه الترمذي في سننه، وهل ترى هذا من البطالة ؟ .

لقد ذكر بعض الأكابر : أنّ التصوّف من فروض العين كالإمام الغزالي والشيخ السنوسي صاحب العقائد فقال : يجب السعي إلى من اشتهر ولو بغير رضاء والديه، وقال الجنيد رضي الله عنه : لو أنّ تحت أديم السماء أشرف من العلم الذي نتكلّم فيه مع أصحابنا لسعينا أليه، وقال الشيخ الصقلّي في كتابه المسمّى ( بنور القلوب ) : ( كلّ من صدّق بهذا العلم فهو من الخاصّة، ومن فهمه فهو من خاصّة الخاصّة، ومن عبّر عنه وتكلّم فيه فهو النجم الذي لا يدرك والبحر الذي لا يترك، وهذا يدلّ على أنّ مذهب التصوّف ليس بجهالة ) .

أمّا قولكم : ( أنّه ضلالة ) فالله أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى، ثمّ أقول : إنّي لا أنكر وجود المعترضين في كلّ عصر من أهل السنّة على بعض أفراد المتصوّفة لاحتمال وجود النقص في المعترض أو المعترض عليه، وأمّا إنكار مذهب التصوّف من أصله فلم تتظاهر به أهل السنّة، إنّما تظاهرت به بعض الفرق التي لا أهميّة لها بالنظر للسواد الأعظم .

أمّا قولكم : ( فما الإسلام إلاّ كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم )، فمن ذا الذي بلغّك عن الصوفيّة أنّهم يقولون إنّ الإسلام غير هذين الأصلين ؟، نعم، يقولون : إنّ في كتاب الله من العلوم ما لا يتوصل إليه العموم، قال سلطان العاشقين :
فثمّ وراء النقل علم يدق عن + مدارك غايات العقول السليمة
قلت : ولعلّ المتجمّد على الظواهر لا يدري من كتاب الله إلاّ ما وصل إليه من جهة بضاعته القليلة، وقريحته الكليلة وينكر ما وراء ذلك، وهل يعتقد أنّ ما وصل إليه فهمه هو ما كانت عليه بواطن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كتاب الله، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( العلم علمان فعلم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجّة الله على ابن آدم ) رواه الدارمي في سننه، وقد قيل : ( إنّ من العلم كهيئة الطير المكنون لا يعلمه إلاّ العلماء بالله فإذا أظهروه أنكره أهل الاغترار بالله )، وقيل : ( علم الباطن سرّ من أسرار الله وحكم من حكمه يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده )، فدلّ هذا على أنّ العلوم الخفيّة غير العلوم المتعاطية، قال أبو هريرة رضي الله عنه في ما شاع عنه : ( حفظت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعاءين من العلم : أمّا أحدهما فبثثته وأمّا الآخر فلو بثثته لقطعتم مني البلعوم ) نقله أبو عمر عبد البرّ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قـال : ( لو قلت لكم ما أعلم من تفسير قوله تعالى يتنزل الأمر بينهن / الطلاق آيــة / 12، لرجمتموني أو لقلتم إنّي كافر ) ذكره الشعراني في ( اليواقيت والجواهر ) وممّا ينسب لزين العابدين رضي الله عنه :

يا ربّ جوهر علم لو أبوح به + لعدّدت ممّن يعبد الوثن
ولاستحلّ رجال مسلمون دمي + يرون أقبح ما يأتونه حسنا
وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه : ( لو حدّثتكم بكلّ ما أعلم لقلتم رحم الله قاتل سلمـان )، وقال الإمام عليّ كرّم الله وجهه : ( إنّ بجانبي علما لو قلته لأزلتم هذا عن هذا وأشار برأسه عن جثته )، فدلّ هذا على أنّ في الزوايا خبايا .
وفي قولكم : ( فما الإسلام إلاّ كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم )، فكأنّكم تشيرون إلى أنّ ذاك هو الذي فهمتموه من كتاب الله، ألم تعلم أن للقرآن ظاهرا وباطنا ومطلعا كما هو في الحديث المشهور عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نقله في ( تاج التفاسير )، وحتى لو قلنا إنّك على خبرة من ظواهره فهل علمت شيئا من باطنه ؟، وأين أنت من حدّه ومطلعه ؟، ذلك حظّ العارفين في كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ( لن تتفقه كلّ الفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة )، ولكنّك ترى الإسلام هو مجرد ما أنت عليه ومن هو على شاكلتك، وإن كان كذلك فإنّك سوّيت بين سريرتك، وسريرة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وسريرة الأنبياء، وهذا من الجهل في أقصى غاية .

ولكنّك ظننت أنّ التصوّف عبارة عن جماعة من الناس يجتمعون للرقص، وإنشاد الأشعار لا غير، ومثلك كمن قصد راعي الغنم بالليل يطلبه أن يتصدّق عليه بماشية، فأذن له في ذلك فذهب ليأخذ ماشية، فوقعت يده بالليل على كلب الحراسة الذي هو عادة يكون مختلطا بالمواشي، فلمّا أصبح الصباح وجد بيده كلبا فأخذ يتهم راعي المواشي، ويلقبّه براعي الكلاب، وهذا ما يقتضيه لسان ما جمعتموه لأنّكم أقصرتم التصوّف على الرقص وما في معناه .
( 4 ) : ولم يكفكم حتى وضعتم عليهم تشبيها بليغا أخرجهم من دائرة الإسلام والمسلمين، وهو قولكم نقلا عمن لا يتقي الله مثلكم، أو لم يقصد بذلك إلاّ جماعة بعينها : ( أمّا الرقص والتواجد فأول من
أحدثه أصحاب السامري، فإنّهم لمّا عبدوا العجل صاروا يرقصون حوله ويتواجدون فهو دين الكفار
وعبّاد العجل )، وفي ظنّي أنّكم تجاوزتم الحدّ فيما ارتكبتموه فلا مسلك وخيم في أعراض أهل الله إلاّ وسلكتموه، ثمّ أقول : إن كان تشبيهكم هذا للفقراء بعبّاد العجل فيه إصابة من حيث الهيئة الموجودة في الفريقين، وقد صادفتم فيما زعمتم، فهل صادفتم وجه الشبه فيما بين المعبودين المتواجد من أجلهما بين عجل الإسرائيليين وإله الذاكرين ؟، فتعالى الله عمّا يقول الظالمون، فإنّ هاته العبارة الواهية زيّفت، وذكروا بأنّها مدسوسة على أبي حنيفة وحاشاه أن يقول مثل ذلك .

يتبع
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 177
العمر : 63
العمل/الترفيه : طالب علم
تاريخ التسجيل : 09/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Empty رد: رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف

مُساهمة من طرف عبدالله الثلاثاء 12 مايو 2009 - 19:38

الجزء الرابع

ثمّ أتكلّم في التواجد الذي ذكرتم تحريمه، وإن كان ليس هو المقصود من طريق القوم إنّما هو نتيجة الوجل الذي عدمتموه، قال تعالى : ( إنّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا / الأنفال آية / 2 )، فها هو تعالى أخبرك عمّا يلحق الذكر من الوجل وجعله من أخص صفة المؤمنين، ألا ترى أنّه تعالى أثنى على أهل الكتاب بما يحصل لهم من الوجد، فذكر أحد لوازمه أبلغ ما يكون من المدح فقال : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ممّا عرفوا من الحق / المائدة آية / 83 )، أو ليس هذا ما يدّل على وقوع حركة في باطن المؤمن من
أجل ذكر الله واستماع كلامه ؟ .

أمّا ما يتعلّق بالرقص الذي قلتم بتكفير من يستحلّة مطلقا مستدلين بقول ابن وهبان حيث قـال : ( ومن يستحل الرقص قالوا بكفره ولا سيما بالدف يلهو ويزمر )، ثمّ قلت : وفي المعيار ما محصله عن جمعة من الشيوخ : ( إنّ من حبس زاوية أو غيرها على فقراء الوقت فحبسه باطل لأنّه على معصية )، وهكذا شأنك مهما وجدت سيرة شنيعة أو حالة فظيعة إلاّ وألصقتها بجنب الذاكرين تدليسا منك على القارىء حتى لا يتبادر لفهمه من مذهب التصوّف إلاّ مجرد ما ذكرته من الرقص واللهو والتزمير ونحو ذلك، ألا ترى أنّه تقرّر لديك أنّ مستحل الرقص قالوا بكفره، فكيف بك إذا بلغك أنّ الحبشة دخلوا مسجد النبّي صلّى الله عليه وسلّم يوم العيد على هيئتهم المعروفة من الرقص ونحوه، وهو عليه الصلاة والسلام ناظر لهم وعائشة رضي الله عنها تتطلع عليهم من خلفه، حتى فرغوا من أعمالهم، ولم ينكر عليهم عليه الصلاة والسلام، فبالله عليك أي شيء تفهمه من ذلك وأنت تقول الرقص حرام مطلقا، وهل تراه عليه الصلاة والسلام يقرر على الحرام ؟، وهلا تجد فرقا بين رقص السفهاء المتخنثين وبين رقص الحبشة ؟، وإذا لم يبلغك هذا، أو بلغك ولم تستنتج منه حكم الإباحة لقصور الإدراك فأي شيء تقوله في رقص السيد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إن صحّ ذلك حسبما جاء في بعض الأحاديث، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لجعفر بي أبي طالب : ( أشبهت خلقي وخلقي ) رواه الإمام احمد في مسنده، والبخاري في صحيحه، والترمذي في سننه، فقام يرقص بحضرته عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه ولم ينهه، وهلا يفيدك هذا إباحة في الحكم ؟، وهي يصح التطبيق بين رقص جعفر وبين الرقص المشار إليه في قصيدة ابن وهبان ؟، ألم تعلم أنّ التخصيص يفيد الإطلاق ؟، وهل ترى أنّ الصوفيّة يقولون بتحليل الرقص مطلقا كما قلت أنت بتحريمه مطلقا ؟، كلا وإنّما هم أوسع منك نظرا لا يقولون في دين الله بغير علم .

ثمّ أقول : إنّ ما قررناه في هاته النازلة ليس مجرد انتصار لجانب الرقص، كلا، وإنّما هو إظهار للحكم وانتصار للأمّة المحمديّة التي قضيت بالكفر على الجلّ منها، لأنّ الغالب فيها يعتقد جواز الاهتزاز، وأمّا المنتسبون فيعتقدون مطلوبيته، لقوله عليه الصلاة والسـلام : ( ليس بكريم من لم يهتز عند ذكر الحبيب ) نقله صاحب ( النصرة النبويّّة )، ومثله أيضا قوله عليه الصلاة والسلام ذكره في ( الجامع الصغير )، : ( والذين أمنوا اشد حبّا لله / البقرة آية / 165 )، وبالطبع كلّ حبيب يرتعد عند ذكر حبيبه، وإنّي على علم من أن الحجّة لا تقوم عندك بما ذكرناه، لأنّك لم تذق طعم المحبّة، ولو دبّت في مفاصلك لاشتهيت أن تسمع ذكر الله ولو من كافر، ثمّ نقول كما قال سلطان العاشقين :
ولي ذكرها يحلو على كلّ صيغة + وإن مزجوه عذّالي بخصام
وحينئذ تعرف معنى الوجل، وتنظر هل تملك نفسك أم لا ؟، ألم يبلغك في كتاب الله خبر النسوة اللاتي قطعن أيديهن لمّا خرج عليهن يوسف عليه السلام، وقلن حاشا لله ما هذا بشرا فإن كان مثل هذا يقع بمشاهدة جمال مخلوق فلم لا يقع ما يقرب منه عند مشاهدة جمال خالقه إذا ظهر بسلطان كبريائه، ألم تعلم أنّك إذا قلت بكفر مؤمن، فقد حكمت بإباحة ماله ودمه وبخلوده في النـار ؟، ألم تعلم أنّ حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة، وإنّ هدمها عنده أهون من تكفير المؤمن المعلن بكلمة الإخلاص المردّدة لها في سائر الأنفاس، وإنّي أحذرك الله أن تتقيه في أهل لا إله إلاّ الله ولا تقل فيهم برأيك، فإنّهم أقوام خلقهم الله لذكره واختارهم في سابق علمه، فعلى الأقل أن تراقبهم لله وتحترمهم في الله، والإضافة تغنيك والله يلهمك ويهديك .

وأمّا ما يتعلق بالسماع وإنشاد الأشعار التي تستعمل عند أكثر الصوفيّة، فأقول : إنّ القول فيها بغير علم أدهى ممّا قبله، لأنّ الصحابة رضوان الله عليهم تناشدوا الأشعار بحضرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفي قصة كعب بن زهير كفاية لمن تدبرها كيف استمع منه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قصيدته المعروفة : ( بانت سعاد )، مع ما فيها من التغزّلات، وكيف جزاه بالعفو والبردة زيادة له عن تقريره له في إنشاد الشعر بحضرته، قال في العوارف : إنّ رجلا دخل على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فوجد عنده قوما يقرؤون القرآن وقوفا ينشدون الشعر، قال يا رسول الله قرآن وشعر، فقال صلّى الله عليه وسلّم : ( من هذا مرّة ومن هذا مرّة )، وقد أطنب صاحب الإحياء في الرد على من يقول بكراهة السماع، أو من يقول بتحريمه مطلقا، لما تعارضه من النصوص التي لا تحتمل التأويل، ومن ذلك ما رواه العلقمي رضي الله عنه : أنّ رسول صلّى الله عليه وسلّم لما رجع للمدينة من بعض مغازيه جاءته جارية، فقالت : يا رسول الله إنّي نذرت إن ردّك الله سالما أن نضرب بين يديك بالدف، ونغني، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( إن كنت نذرت فأوف بنذرك )، وقوله أيضا : فعن عائشة رضي الله عنها، قالت : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( يومئذ لتعلم اليهود أنّ في ديننا فسحة إنّي أرسلت بحنيفة سمحاء ) رواه الإمام أحمد في مسنده، فما كان من الشعر متعلّقا بالفواحش والتفاحش فهو محرّم فيكون القائل والسامع شريكين إن كان القصد متحدا، وأمّا ما كان موضوعا للترغيب والترهيب والتشوّق للأحوال السنيّة، والترشيح بالمعارف الإلهيّة كالمشار إليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : ( أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل ) رواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري ومسلم في صحيحيهما، وابن ماجة في سننه، حيث إنّ من الشعر لحكمة، ولا يخفى أنّ استماع الحكمة مندوب إن لم نقل فيه بالوجوب، وإذا فهمت هذا فلا تقيس ما اعتاده القوم في مجالسهم من إنشاد الأشعار التي تلائم من الحكمة أعلاها، وتحوي من المعارف أقصاها تعليما للمريد كيف يسلك سبل ربّه .

( 5 ) : وبعد ما حكمت بتضليل ما هم عليه من الاجتماع للذكر ونحوه، قلت : ( ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم )، فيا للعجب ؟، متى جاء هذا في الدين الذي نزل بتحريم الحضور مع الذاكرين، وهذا إذا كان مجرد حضور فيكون محرّما، وأمّا إذا تحركت شفتاه مع الذاكرين بقولنا لا إله إلاّ الله فلم ندر ما حكم الله في ذلك، ولعلّك تراه مرتدا أو ما هو من هذا القبيل، اللّهم إنّك تعلم براءتي وبراءة الإسلام والمسلمين ممن يعتقد هذا ونحوه، وعلاوة على ما تحملته من الزور وارتكبته من الفجور، قلت : ( وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم )، فأشركت أئمة الدين فيما ارتكبته وادعيت أنّ الأئمة يقولون ما قلته وحاشا لله، وإنّي الآن أذكر لك ما نقل عن المذاهب الأربعة في أنفسهم من احترامهم لأهل التصوّف زيادة على ما قررناه وتبرئة للأئمة ممّا نسبته إليهم من أنّهم ينكرون التصوّف من أصله، فأقول ممّا علم من سيرة الشافعي بالضرورة أنّه كان يجالس الصوفيّة ويلازمهم ويحترمهم فقيل له في ذلك، فقال : استفدت من مشايخ الصوفية ما لم نستفده من غيرهم قولهم : ( الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، اشغل نفسك بالخير فإن لم تشغلها بالخير أشغلتك بضده )، وقد كان يلازم شيبان الراعي وهو من خواص الصوفيّة رضي الله عنهم، وكان الإمام أحمد يبعث لأبي حمزة البغدادي الصوفيّ إذا نزلت به نازلة ممّا هو أدق وأرق، فيقول له : ما تقول في هذا يا صوفيّ ؟، فيجيبه أبو حمزة ممّا علمه الله، وأمّا ما شاع عن مالك فيما يتعلق بالتصوّف قوله : ( من تصوّف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوّف فقد تفسّق، ومن جمع بينهما فقد تحقق )، وأمّا ما نقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه أنّه رفع إليه سؤال ممّا يفعله الصوفيّة في الحضرة، وما يتظاهرون به هل صادقون في ذلك أم هم كاذبون ؟، فأجاب : ( إنّ لله رجالا يدخلون الجنّة بدفوفهم ومزاميرهم )، ثمّ قال الناقل : إنّه في بلادنا طائفة يرقصون للذكر حتى يسقطوا على الأرض، ولم ينكر عليهم الإمام ويزورونه ويكرمهم ويسألونه ويجيبهم، فإن كان كذلك فكيف ينسب للإمام تلك المقالة السخيفة إذ زعموا أنّه قال : ( ينبغي للموضع الذي تحلقوا فيه للذكر بكيفيتهم المعهودة أن تحفر تربتها وتملأ برمل )، فعن أبي هريرة رضي الله عنه شهد على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : ( لا يقعد قوم يذكرون الله عزّ وجلّ إلاّ حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده ) رواه مسلم في صحيحه، ألم يبلغ هؤلاء الجهلة أنّ مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما أراد بناءه كانت بقعة فيها من مقابر المشركين فنقل عظامها ثمّ بنى مسجده في البقعة المباركة . وهل ترى أنّه أمر بحفرها ونقل ترابها ؟، فكلا، ما جاءنا عنه مثل ذلك وما سمعنا بـه، وإن كان كذلك فكيف يقول الإمام بما نسب إليه مع فقهه واطلاعه وحاشا أن يصدر منه ذلك، وقد نصّ صـاحب ( تحفة الفتاوي ) على أنّ تلك المقالة الشنيعة مدسوسة على الإمام أبي حنيفة، ثمّ قال : وكيف يقول ذلك، وقد أتاه فقير صوفيّ من أهل زمانه فسأله عن مسجد مكث فيه جماعة من اليهود بنسائهم وصبيانهم ثلاثة أيام فهل يغسل أم يهدم، أم كيف ذلك ؟، فقال الإمام : فإن لم تكن فيه نجاسة معينة محقّقة فهو طاهر .

ثمّ استلفتك للكلام عن الذكر من أصله، لأنّه أعظم قاعدة في الدين، وإنّي أراك قد غفلت عليه
حيث إنّك شنّعت على المجتمعين من أجله، فأقول : بالله عليك إلاّ ما أخبرتني ما نظرك في الذكر هل هو مشروع أم لا ؟، وفي ظنّي أنّك تعترف بمشروعيته بمقتضى قوله تعالى : ( فاذكروني أذكركم / البقرة آية / 152 )، وغير هذا ممّا لا يتأتى حصره وأنا أقول زيادة على قولك مشروعا ما شرعت الشرائع، وأقيمت المناسك إلاّ لإقامة ذكر الله، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( إنّما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمرات لإقامة ذكر الله ) رواه أبو داود والدارمي في سننهما، وقال تعالى في الحج : ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام / البقرة آيــــة / 198 )، فجعل الوقوف عند المشعر للذكر لا للمشعر بالخصوص، وجعل القيام بمنى لذكر الله لا لها، فقال : ( واذكروا الله في أيام معدودات / البقرة آية / 203 )، وقال في الصـلاة : ( وأقم الصلاة لذكري / طه آيـة / 14 )، وتجد غير هذا لو تتبعت الكتاب، وبالجملة إنّ العبادات تعتبر بذكر الله فيما بينها قوّة وضعفا، ولهذا لما سئل عليه الصلاة والسلام، فعن سهل بن معاذ عن أبيه رضي الله عنهما، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ رجلا سأله في حديث طويل : ( فقال : أي الجهاد أعظم ؟، فقال : أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا، ثمّ ذكر لنا الصلاة والزكاة والحجّ والصدقة كلّ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا، فقال أبو بكر رضي الله عنه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكلّ خير، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أجل ) رواه الإمام أحمد في مسنده .

ومن الترغيب في الجهر بالذكر ما أخرجه أبو شجاع الديلمي في ( مسند الفردوس )، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( من قال لا إله إلاّ الله ومدّ بها صوته أسكنه الله دار الجلال ورزقه النظر إلى وجهه )، وفي ( بستان القراء ) : أنّ النبّي صلّى الله عليه وسلّم كان يجهر مع أصحابه بالأذكار بعد الصلاة، وبالجملة إنّ الجهر بالذكر ليس بأضعف دليل من الإسرار به ويزيد عليه الجهر بانتفاع السامع به، حيث إنّ السرّ أفضل من العلانية، والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء، وإنّي أخشى على من إذا سمع الجهر بالذكر تشمئز نفسه أن يكون داخلا في جملة من وصفهم الله تعالى بقوله : ( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة / الزمر آيـة / 45 )، وهذا بقطع النظر عمّا ورد من الترغيب في حضور مجلس الذكر حسبما تقدّم في غير ما حديث، وعلى ما تقرّر يتعيّن عليك الاعتراف بجواز الذكر جماعة، وحينئذ فلم يبق لك إلاّ أن تبين لنا كيفيّة الاجتماع على ذكر الله، لأنّ الهيئة التي بلغتك عن السلف من أنّهم يجتمعون في بيت أحدهم على قراءة القرآن والصلاة على النبيّ والدعاء لأنفسهم والمسلمين .

( 6 ) : ثمّ قلت : ( ومنها أي البدع إيقاد الشمع، وزيادة وقود القناديل ليلة مولد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم )، فأقول : إنّ المواسم لها أحكام بالخصوص لا بدّ منها من إظهار ما يدلّ على السرور كالتجمّل، وإظهار الزينة والفرح، ويكون زيادة إيقاد القناديل ليلة المولد، وغيره من المواسم من ذلك القبيل، والذي يدلك على أنّ للموسم رخصا، فعن عائشة رضي الله عنها : ( أنّ أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدفان وتضربان والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم متغش فانتهرهما أبو بكر فكشف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن وجهه فقال : دعهما يا أبا بكر فإنّها أيام عيد وتلك الأيّام أيّام منى، وقالت عائشة رضي الله عنها : رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : دعهم أمنا بني أرفدة يعني من الأمن ) رواه البخاري في صحيحه .

# : ثمّ قلت في إيقاد الشمع : ( ووقودها في النهار لحضور ذلك الموكب المبتدع من باب أحرى، وأولى كما في المدخل )، فأقول : إنّ وقودها نهارا غير لائق وحقّها أن تسمّى بدعة، لأنّها لا تظهر فائدتها في النهار كظهورها ليلا، ولأنّها لم تسبق بما يقرّب منها عند السلف، وأمّا كون الموكب مبتدعا فإنّي أتمنى
على الله أن يأجر من ابتدعه ويكون داخلا تحت قوله صلّى الله عليه وسلّم، فعن المنذر بن جرير عن أبيه
رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حديث طويل : ( من سنّ سنّة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا ) رواه ابن ماجة في سننه، لما فيه من إظهار تعلّق المسلمين وشغفهم بنبيّهم صلّى الله عليه وسلّم، وكيفما كان اجتماع الأمّة إلاّ وهو رحمة وبه أمرت السنّة، وعلى هذا يكون المبتدع من سعى في نقيض الاجتماع .
# : ثمّ قلت : ( ومن البدع استعمال مبخرة الفضّة في درس الحديث الشريف، فإنّ ذلك محرّم وإنّ استعمالها في عقد النكاح لا يجوز، فإذا وقع ذلك فإنّه لا يجوز الحضور في مجلس فيه شيء محرّم فإنّ لله وإنّا إليه راجعون )، قلت : إنّي لا أدري ما وجه تخصيصك استعمال مبخرة الفضّة في درس الحديث، وعقد النكاح والحالة إنّ اتخاذ الأواني من أحد النقدين حرام مطلقا .
يتبع
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 177
العمر : 63
العمل/الترفيه : طالب علم
تاريخ التسجيل : 09/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Empty رد: رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف

مُساهمة من طرف عبدالله الثلاثاء 12 مايو 2009 - 19:40

الجزء الخامس

( 7 ) : ثمّ قلت : ( ومن البدع المنكرة استعمال السبحة الرومانيّة الأصل في اليد والعنق، ليظهر مستعملها للناس أنّه من الذاكرين العابدين، وكأنّه لم يعلم أنّه من المرائين الوعودين بالويل والعذاب، لأنّ الرياء من الكبائر )، فأقول : إنّه يستفاد ممّا تضمنته هذه الجملة أنّكم حكمتم على كلّ من اتخذ سبحة في يده أو جعلها في عنقه أنّه من أهل الكبائر موعودا بالويل والعذاب، وهذا على الأقل وإلاّ على ما يقتضيه ما سبق من قولك أنّه يكون رومانيّا أي نصرانيّا حيث تشبّه بالرومان بوضعه السبحة في عنقه، فكيف بك حتى حكمت على جلّ الأمّة المحمديّة بالخسران والتضليل ؟، وما يدريك أن يكون متخذ السبحة مرائيا والحال أنّ الغيب لله فيما انطوت عليه السرائر، وهل استوعبت ضمائر الجميع ؟، ونيّة كلّ فرد باتخاذه السبحة، ولربما تكون له نيّة صالحة في اتخاذها، ألم تعلم أنّ النيّة يقال لها : الإكسير المعنويّ يقلب الأعيان بسرعة، ولربما سألت صاحبها عن نيّة استعمالها لها في عنقه، يقول لك : وجدتها تحجزني عن مخالطة السفهاء، ودخول أماكن التهم فجعلتها قيدا لنفسي، لأنّها تقول لي بلسان حالها : اتق الله فما مثلك ممّن يجاهر بالمعاصي، وهل هذه إلاّ نيّة صالحة، وهكذا لو سألت من يجعلها في يده فلربما يقول لك اتخذها لتذكرني بالله كلّما غفلت عن ذكره، لأنّه بلغني عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما أخرجه الديلمي في ( مسند الفردوس ) عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه مرفوعا أنّه قال : ( نعم المذّكر السبحة ) نقله الجلال السيوطي في كتابه المسمّى ( المنحة في اتخاذ السبحة )، فبالله عليك فبأي شيء تجاوبه ؟، وهل هذه إلاّ نيّة صالحة، ونصوص صريحة، وفي ظنّي إنّ صاحبها لا يستحق ما توعدته به من شدّة العذاب، وثمّ أفراد قلائل ممّن ذكرت في نعت المنافقين من أنّهم ( يراءون الناس ولا يذكرون الله إلاّ قليلا / النساء آية / 142 )، فأقول : إنّ مثل هاته الآية هو الذي ألزم الصوفيّة بالاستغراق في الذكر، والتجاهر به والإكثار منه، ليخرجوا من حيّز القلّة إلى فضاء الكثرة، فيفضلون تمام الانفصال عنمّا هو نعت المنافقين من قلّة الذكر، والغاية في حدّ الكثرة مجهولة لولا أن بينها عليه الصلاة والسلام، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : ( أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون ) رواه الإمام أحمد في مسنده، ويشهدك الله هل استكثرت من ذكر الله حتى قيل فيك ما قيل فيهم ؟، أم لم تزل تكابد مذلّة القلّة ؟ ، والله يلهمنا وإيّاك الإكثار من ذكره، وحسن الظنّ بأوليائــــه .
# : ثمّ إنّك بعدما أنكرت استعمال السبحة تمام الإنكار، وذكرت أنّها بدعة محرّمـة أوردت على
نفسك ما يؤيد مشروعيتها قلت : ( وقد ورد أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخل على بعض أزواجه فرأى نورا في الطاق فقال : ما هذا النور الذي في الطاق، فقالت : يا رسول الله سبحتي التي كنت أسبح عليها جعلتها هناك، فقال عليه الصلاة والسلام : هلا كان ذلك النور في أناملك )، فاستفدنا من هذا أنّ السبحة لها أصل في الشرع، وأنّ لها نورا بعلّوها أيضا، وقد ثبت أنّ بعضهم ممّن كانت له أحجار يعد بها غير النوى، ولعلّك أنكرتها من حيث إنّها منتظمة في خيط، فقد روي أنّ أبا هريرة رضي الله عنه كان له خيط معقود فيه ألف عقدة لا ينام حتى يسبّح به، أو ليس في هذا ما يقرّب من انتظام السبحة المعهودة ؟، ألا ترى أنّ أبا هريرة كان له ورد معهود لا ينام حتى يخرجه حسب ما ذكر، أتراه يترك سبحته إذا خرج مسافرا مثلا، وتظن أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا رآه حاملا لذلك الخيط في يده، أو جعله في عنقه ينكره منه بعد ما أقرّه على الذكر به فما أظنّ والله أعلم، أو ليس أنّ الخاتم كان أول مشروعيته للختم به، ثمّ صار وضعه في الإصبع سنّة، ولما لا تكون السبحة من هذا القبيل، أو يكون العنق لها بدل الإصبع ؟ .
أخرج الديلمي في ( مسند الفردوس )، عن عليّ كرّم الله وجهه، مرفوعا : ( نعم المذكّر السبحـة )، ثمّ قال : وكان لأبي هريرة خيط معقود فيه ألف عقدة لا ينام حتى يسبّح بـه، وكذلك أبو الدرداء، وهكذا ذكر جماعة من الصحابة ذكره الجلال السيوطي في ( المنحة في اتخاذ السبحة )، ومثله ما ذكره الإمام السنوسي صاحب البراهين في رسالته المسماة ب ( نصرة الفقير في الرد على أبي الحسن الصغـير )، ذكر القاضي أحمد بن خلكان في ( وفيات الأعيان ) أنّه رأى الجنيد وفي يده سبحة، فقيل له في ذلك فقال : طريق وصلت به إلى ربّي لا أفارقه، وفي ظنّي أنّكم تعترفون بمكانة الإمام الشعراني رضي الله عنه في الدين، فإنّه ذكر في ( طبقاته الصغرى ) أنّ سيدي أحمد الكعكاعي، وكان هذا الشيخ عند الشعراني ممّن ترجى بركته، قال : كانت له سبحة فيها ألف حبّة، فسرق له منها سبع حبّات، فرأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المنام، وقال له : يا أحمد إنّ فلانا سرق من سبحتك سبع حبّات، ولك كذا وكذا من يوم تصلّي عليّ ناقصا عن العدّ، فذهب إلى ذلك الرجل، وقصّ عليه الرؤيا، فقال : صدق النبيّ وأخرجها له من رأسه، فأخذها وردّها إلى السبحة، ثمّ قال : ما رأيت سبحة أضواء منها تكاد تضيء من النور لكثرة الأوراد .

# : ثمّ إنّك أوردت حديثا لتستظهر به في ظنّك، وإنّي لم أدر ألك هو، أم عليك، قلت : ( روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم دخل على امرأة وبين يديها نوى وحصى تسبح به، فقال : أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا، وأفضل سبحان الله عدد ما خلق الله في السماء، سبحان الله عدد ما خلق الله في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلـك )، فأقول : إنّ ما ذكرته يقضي بانهدام ما قرّرته، أو ليس أنّك بصدد إثبات التسبيح بالأنامل ؟، وأين أنت من هذا الدليل الذي يقضي بإسقاط العدّ بالمرّة فإنّك أرحت أنفسنا من عدّ الأنامل، وغيرها بارك الله لنا فيك، ولكنّك لم تثبت في مقالتك حتى قلت : ( روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يعقد التسبيح بيمينه )، فالتسبيح بالنوى وما كان على شاكلته له أصل في الشرع وهو خلاف الأولى، والأولى والأفضل التسبيح بالنوى ونحوه، له أصل في الشرع، وإذا فلا نزاع وأنّا أقول بقولك أنّ الأولى، والأفضل التسبيح بالأنامل، ولكن من تكون له أوراد يتعذّر ضبطها بالأيدي مثل الورد الذي كان لأبي هريرة رضي الله عنه أم من أراد العمل بقوله عليه الصلاة والسلام، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعاذ رضي الله عنه رديفه على الرحل، قال : ( يا معاذ بن جبل ؟، قال : لبيك يا رسول الله وسعديك، قال : يا معاذ ؟، قال : لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا، قال : ما من أحد يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلاّ حرّمه الله على النـار، قـال : يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا، قال : إذا يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثما ) رواه البخاري في صحيحه، فإن صحّ هذا فأنصفنا يشهدك الله فهل يتيسر مثل هذا حصره باليد لا بدّ لك من سبحة تعدّ عليها سبعين ألفا تنقذ نفسك من النار إن شاء الله .

# : ثمّ قلت : ( والتسبيح بالسبحة المنظومة بدعة محرّمة لما يعرض لها من العوارض من إظهارها، وعدم
الذكر بها وكونها من عمل الرهبان، فلهذا كانت مثلثة وعلى شكل صليب، فلو كان الشاهدان طويلين، لظهر ذلك غاية الظهور، ولا أظنّ أنّ أحدا من العلماء المهتدين يقول بجواز استعمالها لما ذكرناه، وما زال الرهبان يستعملونها إلى الآن، وإنّما استعملها بعض الصوفيّة، ليظهر على نفسه أثر العبادة، فيعظمّه الناس، كما تقدّم فيتوّصل إلى مقصوده، وهو أخذ أموال الناس بالخيانة والتدجيل إلى أخر ما ذكرت )، فأقول : أمّا كونها بدعة فقد تقدّم لك من الآثار ما فيه كفاية لأولي الأبصار، وقد اعترفت بنفسك على أنّ لها أصلا في الشرع، وحتى لو قلنا : إنّها بدعة، فإنّها لم تبلغ حدّ ما وصفتها به من التحريم الشديد، لأنّهم قالوا رضي الله عنهم : البدعة المحرّمة هي ما زاحمت سنّة مأثورة، أو خالفت إجماعا، وليس في السبحة شيء من هذا القبيل، وأمّا تعليلكم بتحريمها بإظهارها وعدم الذكر فهو متعلّق بحاملها، ونيته في ذلك لا مدخل له من وقوع النصّ عليها، وأيضا إن حكمنا عليه بعدم الذكر هو مجرد الظنّ ( وإنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئا / النجم آية / 28 )، وقد تقدّم ما يتعلّق استعمالها في العنق، وحملها باليد وغير هذا، وأمّا قولكم : إنّها من أعمال الرهبان فلم يلزمنا الشارع بترك عموم أوصاف الرهبان إلاّ بمجرّد ترك الزنا وقد تركته الأمّة المحمديّة، وتنصلت عن الشرك تمام التنصل والحمد لله، أو ليس يوجد من أوصاف الرهبان ما لو يوجد في مثلك، قال تعالى في مدحهم : ( منهم قسيسين ورهبانا وأنّهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ممّا عرفوا من الحق / المائدة آية / 82 ، 83 )، وعلى هذا فهل يلزمنا ترك ما وصفهم به تعالى ؟، وحتى لو قلنا إنّها من مستعملات الرهبان، فلا شكّ من تباين المقاصد، وأمّا كونها على شكل صليب، فأقول : إنّ هذا المشهد ممّا انفردت به وحقّه أن يعيد فتحا خصّصت به، لأنّه لم يبلغنا عن أحد فتحت بصيرته فشهد أكثر الأمّة المحمديّة ما من أحد إلاّ وفي عنقه نسأل الله السلامة، ولكن من الكشف الذي يكشف الله به صاحبه، فيا لله العجب ! أي مناسبة بين شكل السبحة وبين هيئة الصليب ؟، ولكن عين السخط تبدي المساوىء، وإذا كان من اللازم أن يجتنب الإنسان في مأكوله ومشروبه ومنظوره هيئة تقارب هيئة الصليب، فصورتك التي أنت عليها كإنسان أقرب إلى الصليب من شكل السبحة، لأنّك قلت في السبحة : ( لو كان الشاهدان طويلين لظهر غاية الظهور )، وعلى كلّ حال أنت من ذلك أظهر لو استلقيت قائما، وبسطت يديك، لاستغنيت عن أن ترى الصليب في السبحة تجده في نفسك، وعليه يلزمك حينئذ أن تهدم وجودك، أو تكفّ بصرك عن شهودك حتى لا يقع على شبه صليب .

# : ثمّ إنّك قلت : ( ولا أظنّ أنّ أحدا من العلماء المهتدين يقول بجواز استعمالها لما ذكرنا )، فأقول
آية قرآنيّة : ( وذلك ظنّكم الذي ظننتم بربّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين / فصلت آية / 23)، أو ليس قد تقدّم لكم ما نقل عن العلماء الأعلام من استعملها، أو قال بجوازها، وألّف فيها كالجنيد وسحنون والشعراني والسنوسي والسيوطي، وغير هذا ممّن لا تحصى كثرته فضلا عن أئمة التصوّف ؟ أو لم تكفك هاته النخبة الخيّرة في كونها حجّة في الجواز إلاّ أن تقول ليسوا من العلماء المهتدين، وحاشا لله أن نعتقد في أسلافنا سـوءا، وهل هذه النخبة الخيّرة التي قلت فيها : ( وإنّما استعملها بعض المتصوّفة ليظهر على نفسه أثر العبادة، فيعظمّه الناس كما تقدّم فيتوصل إلى مقصوده وهو أخذ الأموال بالخيانة والتدجيــــل ) .
قلت : وفي الظنّ الغالب إنّها لم تبق دركة من سوء الظنّ بالأمّة المحمديّة أسفل من هاته العقيدة عصمنا الله منها ومن معتقدها، لأنّ من كان معتقدا أنّ من تظاهر بالخير من الأمّة المحمديّة إنّما ذلك، ليتوّصل إلى أخذ أموال الناس كما ذكر، فلا يبعد عليه أن يندرج بهذا الوزن الساقط إلى الخلفاء الراشدين، إن لم نقل الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله، ولكن كلّ هذا بما وجدته في نفسك من الهذيان بالدنيا، فوزنت به على غيرك فما رأيت إلاّ وصفك، لأنّ المؤمن مرآة أخيه، فإنّنا والله لقد عرفنا رجالا يختارون الإقلال على كثرة المال، وأنّهم يبذلون أكثر ممّا يأخذون .

# : ثمّ إنّك قلت : ( ثمّ إنّ منهم من يأخذ سبحة عظيمة العقد منها قدر العظمة فإذا مات وضعت على تابوت قبره، ليصطاد بها ورثته أموال الناس، فتكون خيرا لهم من هنشير جليل، أو سواني من زيتون ونخيل، فإذا وفد عليهم الزائر فإن كان من ذوي الهيئات استقبلوه بالتبجيل والتعظيم، وفتحوا له تلك القبّة المزخرفة، وبعد أن يتمّ دعاؤه يقدمون له السماط، وهو عبارة عن رغيف قدر الكفّ، أو قطعة منه وهو من أفعال الرهبان كما في تحفة الأديب في الرد على أهل الصليب، أو شربة ماء للبركة، وذلك كلّه على سبيل الخدعة ليعطيهم المال للزيارة، وإن كان من الفقراء تفتح له تلك المصيدة إلى آخر ما ذكرته من الفصل من المعاني السمجة والألفاظ الركيكة ) .

فأقول : إنّ الله سبحانه وتعالى سلّطك على عرض أوليائه، فإنّهم لم يخلصوا من شركك أمواتا ولا أحياء، ألم يبلغك عن ابن عمر رضي الله عنه، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال : ( اذكروا محاسن موتاكم وكفّوا عن مساويهم ) رواه الترمذي وأبو داود في سننهما، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) رواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه، والنسائي وأبو داود في سننهما، فما هاته البلوة التي ألزمتك تتبع عورات المسلمين أمواتا وأحياء، ألم تعلم أنّ الشارع عرّف معنى الغيبة المحرّمة بالإجماع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قـال : ( أتدرون ما الغيبة ؟، قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : ذكرك أخاك بما يكره، قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟، قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتـه ) رواه مسلم في صحيحه، وقل لي : أمن الغيبة هذا أم من البهتان؟، والحقّ إنّهما معا : فمنهم من اغتبتهم، ومنهم من أبهتهم ( يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين / النور آية / 17 ) .
يتبع
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 177
العمر : 63
العمل/الترفيه : طالب علم
تاريخ التسجيل : 09/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Empty رد: رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف

مُساهمة من طرف عبدالله الثلاثاء 12 مايو 2009 - 19:43

الجزء السادس

( 8 ) : ثمّ ختمت بقولك : يا أخي :
وخير أمور الدنيا ما كان سنّة + وشرّ الأمور المحدثات البدائع
فأقول : إنّ ما ذكرته في هذا الفصل من هتك أعراض المسلمي،ن وكشف عورات المنتسبين من أي قسم هم من أقسام السنّة، أم من سنّة رسول الله ؟، أم من سنّة الخلفاء الراشدين المهديين ؟، فأخبرني يرحمك الله من من الصحابة والتابعين أباح أعراض المسلمين، حتى اقتفيت آثره في نشر قبائح أهل الإسلام، وإنّي أسألك بالله إلاّ ما أخبرتني أي بدعة خالفت السنّة والإجماع ممّا في هذا الفصل أهي اتخاذ السبحة في الأيدي وحركتها كما ذكرت ؟، فلا بدّ للعاقل وأن يقول إن بعض الشرّ أهون من بعض وأي شيء آلمك من أبناء المنتسبين إن كانوا يصلّون ويصومون ويقرؤون القرآن، وما هو من خصال الإسلام، أم هو ما يأخذونه من الهديّة، فأردت أن تقول بتحريمه فإنّ الشارع يقول بخلاف ذلك فإنّه قـال : ( أصل الحلال العطاء بدون سؤال ) .

ألم تعلم أنّ حرمة الصالحين تتعدى لأبنائهم، ولأبناء أبنائهم إن كانوا على آثارهم مسلمين، وبالأخص إذا كانوا من عترة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقرابته على ما يتضمنّه النصّ السماوي من لزوم مودتهم : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلاّ المودّة في القربى / الشورى آية / 23 )، ألم يبلغك يا هذا أنّ موسى والخضر عليهما السلام خدما بأنفسهما من كان أبوهما صالحا، وأي منقبة أشرف منها لأبناء الصالحين ؟، لا، والله لا ينقصها قولك، ولا قول من هو على شاكلتك، ولكنّي أرجو من أبناء الصالحين أن يرثوا من آبائهم صلاحا ( والذين أمنوا واتبعتهم ذريتهم بأيمان ألحقنا بهم ذريتهم / الطور آيـــــة / 21 ) .

# : ثمّ إنّك عقدت فصلا قلت فيه : ( الفصل الثاني : ومن الضلالة التشبه بالكفّار، وقد أخبر به صلّى الله عليه وسلّم حيث قال : لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى لو أنّ أحدهم دخل جحر ضبّ، لدخلتموه وحتى لو أنّ أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه .. الخ، ما استطردته من هذا القبيل )، ثمّ إنّك ذكرت جملة من البدع يتعيّن الاحتراز منها، وما ذكرته حق ظاهر لا يخفى شعاعه على الأعمى فضلا عن البصي،ر ولكن ظهر لي أنّ ما ذكرته هو مجرد توطئة، لتحمل من بعده بما في وسعك على قبور الصلحاء وزوارهم، ألا ترى أنّك بعد ما نقلت قول سيدي علي الأجهوري، وهو قوله في تعظيم القبور حتى كاد العوام يعبدونها .

# : ثمّ قلت : ( فلو كان في زماننا هذا لقال : يعبدونها لا حتى كانت أفعالهم وأقوالهم صريحة في ذلك)، فيا لله العجب ! متى ارتدت أمّة محمد حتى عبدت القبور ؟، وهلا وقفت عند قول الأجهوري، وتركت مندوحة لك وللمسلمين ؟، وحتى لو نقلت فيهم هاته الخصلة، وحاشا لله بالارتداد فضلا عن أن يحقّقه، ويحكم به على أمّة خير العباد، لأنّ ما من أحد من أهل السنّة إلاّ ويعظّم صلحاء الأمّة، ويتبرك بقبورهم، ويلتجىء إلى جانبهم في المهمّات، وليس قصده إلاّ أن يتشفع بهم لله عزّ وجلّ، وروى ابن عمر رضي الله عنهما، أنّه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ( ما أعطيت أمّة من اليقين أقلّ ما أعطيت أمتّـي )، ( ما من أمّة إلاّ بعضها في النار، وبعضها في الجنّة إلاّ أمتّي، فإنّها كلّها في الجنّة )، نقلهما في ( الجامع الصغير )، فأين شهادتك لهذه الأمّة من شهادته لها عليه السلام، وما أثبته لها من اليقين، فهل تظنّ أنّه يتغيّر بتعظيم الصالحين ؟، مع أنّ تعظيمهم لهم ليس هو إلاّ لله، وحتى لو قلنا إنّك درجت في هذا على مذهب الوهابيّة القائلين بمنع الزيارة مطلقا، فتحتاج إلى أسلوب ألطف من هذا لبث العقيدة في قلوب المتمكنين بما يناقضها إلاّ أنّ الأمّة أبعد من أن تتجرّع مرارة تلك العقيدة في كأس واحدة.

# :
ثمّ قلت : ( ولنرجع إلى الكلام على الزيارة، فأمّا المرأة فلا يجوز خروجها للزيارة اتفاقا كما هو معلوم في كتب الفقه، وقد قال عليه الصلاة والسلام : لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد / الحديث، وأما الرجل الذي قويت عقيدته بالإيمان، ويعلم علما يقينا أنّ المعطي والمانع هو الله، وأنّ النفع والضرّ لا يكون إلاّ منه سبحانه وتعالى، وليس في المحلّ مانع شرعي كالنساء وبسط الحرير وراياته وأواني الفضّة والتماثيل جازت له الزيارة، وإلاّ يكون الأمر كذلك حرمّت وعلى كلّ حال فالبعد أحوط، لضعف الإيمان في هذا الزمان، فإذا أراد الإنسان أن يسأل الله سبحانه وتعالى شيئا سأله في أي مكان، وفي أي زمان كان، فالمدار على النيّة وإظهار العبوديّة ) .

فأقول : إنّ ما ذكرته في هذه الجملة مما يتعلّق بأحكام الزيارة، فقد أصبت وأخطأت خطأ فاحشا يأتيك نبؤه بعد حين، أمّا الصواب في هاته الجملة فهو قولك بجواز الزيارة إن لم يكن مانعا شرعيّا، وأمّا الخطأ فيتخرّج من ذكر الموانع حيث ذكرت من جملتها بسط الحرير وراياته وأوني الفضّة، كأنّك تقول : مهما وجدت هذه الأمور في ضريح حرّمت زيارته، فإن كان لازم القول يعدّ قولا فأنت تقول بتحريم زيارة بيت الله الحرام وقبر المصطفى عليه الصلاة والسلام، لأنّ في الحرمين الشريفين يوجد من النوعين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ألم تعلم أنّ أستار الكعبة من خالص الحرير، وفي الحرمين من أواني الذهب والفضّة ما لا يحتمل التقدير، فإن كان ما ذكر من الموانع الشرعيّة، فقد أسقطت الحجّ عن الأمّة المحمديّـة، وإنّي أقول : ما كان الحرير حرّم استعماله على الذكر، ولم يمنعه الشارع من رؤيته كأن يكون زينة على حائط، أو ستار كعبة مثلا وحتى إذا كان المنع متعلّقا بشيء من ذلك يكون راجعا لمن اتخذه لا لمن نظره، وهذا ما كنت أعلمه من الشرع قبل أن يطلعني الله على معلوماتك .

# : ثمّ إنّك ذكرت في هذا الفصل عدة أحاديث تتضمّن خالص التوحيد لله، كقوله عليه الصلاة والسلام، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال : كنت خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوما، فقال في حديث طويل : ( يا غلام إنّي أعلّمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ) رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، فهذا ونحوه ممّا يدور عليه التصوّف، وإنّي لا أرى من هو أشدّ محافظة على خالص التوحيد من القوم رضوان الله عليهم ومصنفاتهم أعدل شاهد، ومن لم يتغلغل في علومهم لم يخلص تماما ممّا يشيب الاعتقاد، ولهذا قال إمام هذه الطائفة أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : ( من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصرّا على الكبائــــر ) .

وبعد هذا أخذت في البحث عن حكم جديد، قلت : ( وحيث عمّ الجهل، ولم يبق للعلم إلاّ الاسم، وضعف الإيمان باعتقاد أنّ الشيخ المزار يضرّ وينفع حرّمت الزيارة على العامّة، فإنّ العلّة تدور مع المعلول وجودا وعدما مع ما يضاف إلى ذلك من اجتماع الذكور بالإناث والغلمان، وكثيرا ما يكون هو المقصود ) .

فأقول : وهذا إعلان منكم لجواز تغير الحكم من الندب إلى المنع، وما أشبه ذلك، وهذه ذريعة يخشى منها أن يصير دين الله عرضة في أيدي المتلاعبين يبدلون الحكم متى ظهرت لهم شبهة بنفي العلّة، أو بوجودها، ويشهدك الله أنّ الصوفيّة التي نقلت من أفعالهم هل قالوا بتحليل المحرّم أو بتحريم الحلال ؟ والحقّ إنّ ما قررتموه في هاته النازلة هو أولى بأن يسمّى بدعة، وأمّا تعليلكم منع الزيارة من كون اعتقاد العامّة في الشيخ المزار يعطي ويمنع، وما هو من هذا القبيل، فقد ذكرتم هذا أولا في الموانع، وإنّي لا أظنّ أنّه يوجد مثل هذا في سائر العموم فردا، فردا إنّما يعتقد عوام المسلمين بوجود الوسائط بينهم، وبين الله عزّ وجلّ، يلتجئون إليهم في المهمّات، لأنّهم لم يبلغوا إلى الدرجة التي تنحذف فيها الوسائط حسبما بلغتها أنت في زعمك، فلهذا لا يتوسلون إلاّ بما هو أقرب إلى الله منهم، وأمّا قولك : مع ما ينضاف إلى ذلك من اجتماع الذكور بالإناث، فحقّك أن تجعله السبب الوحيد في منع الزيارة، لكن لا مطلقا إنّما بقيد الاجتماع وإنّه أضرّ شيء يحتاج إلى التنبيه عليه، لأنّ اجتماع الذكور بالإناث لا تخفى مضرّته، فلا تسلم مخالطة النساء بالخصوص فضلا عن العموم .

# : ثمّ إنّك ذكرت من البدع المحرّمة : ( حلق اللحيّة أو جزّها للبشرة وترك شعر الشارب )، فإنّي أقول : إنّ ما ذكرته من حلق اللحيّة حقه أن يسمى بدعة، لأنّه زاحم سنّة مأثورة وهو سدل اللحيّة، وقص الشارب، لأمره عليه الصلاة والسلام في غير ما حديث، وإنّ الفاعل لذلك إن كان متفقّها يعلم من نفسه أنّه مرتكب بدعة، لأنّه لا نصّ في يده يعتمده، وإنّي أتمنى أن يتنبّه فقهاؤنا لمثل ذلك، لأنّه إن كان فعل ذلك من العموم شنيعا، فهو من الخصوص أشنع، ولكن سوّلت لك نفسك أن تقول : أوحى إليك شيطانك أن ترتكب هذه الرذيلة بدعوة أنّك تيّقظ الناس وتحذّرهم من أن يغتروا بالمنتسبي،ن لأنّ الله أطلعك على بواطنهم، فوجدتهم على خلاف ما أظهروه، وحتى لو قلنا بتمكن هاته العقيدة في قلب من يتخذك مذهبا، فلم تكن نتيجتها أكثر من سوء الظنّ بمن ينتسب إلى الله، أو يتظاهر بالصلاح كائنا من كان، حتى إذا استكملت خصاله في هذه الدرجة الخسيسة في الخلف فلا يبعد أن يجنح به معتقده إلى السلف ومن المعلوم أنّه لو كان في عصر النبيّين والمرسلين لم يزد مشهده فيهم على مشهده في الصالحين من أهل زمانه، ولا يبعد أن يكون ممن قال في رسول زمانه : إن هم إلاّ يكذبون، أو نحو ذلك .

( 9 ) : وإنّي تفرّست فيما ذكرته فوجدت - والله أعلم - أنّ الحاصل لك مجرد حسد، وفيه نوع من اعتراضك على الله في قسمته حيث منحهم ومنحك، وهي قسمة من الله، لا مدخل لهم فيها، ولا لك، أو لم تعلم أنّ عصابة الذاكرين المتصدّرين للإرشاد وعدهم الله بمثل ذلك قال تعالى : ( وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنا / النور آية / 55 )، وقد صاروا أمراء بعد أن كانوا فقراء، والله يرزق من يشاء بغير حساب، وإننا والله تركنا الدنيا فطلبتنا، وغفلنا عليها فلحقتنا، وما زلنا معرضين عنها بقلوبنا ما زالت تابعة لأثرنا، فكانت من جملة أتباعنا، وكنتم من جملة أتباعها ذلك تقدير العزيز العليم، أحببت أم كرهت ولكن أتمنى على الله أن يتوب عليك، ويغفر لك، قبل أن تغرغر في العاجل لأنّ الأجل قريب ! .
يتبع
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 177
العمر : 63
العمل/الترفيه : طالب علم
تاريخ التسجيل : 09/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Empty رد: رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف

مُساهمة من طرف عبدالله الثلاثاء 12 مايو 2009 - 19:46

الجزء السابع


وها أنا أجلو لك السحاب، لتستنصف من نفسك إن كنت من أولي الألباب، فأقول بالله عليـك : ما معرفتك بكتاب الله، والحالة أنّه ورد في الأثر : ( إنّ للقرآن ظاهرا وباطنا وحدّا ومطلعـا )، وفي رواية أخرى : ( إنّ لكلّ آية ظاهرا وباطنا وحدّا ومطلعا إلى سبعة أبطن وإلى سبعـين )، فهل حصلت على شيء من هاته الأبطن ؟، كلا !، فإنّك لم تستوعب ظاهره، وأين أنت من باطنه وحدّه، ومطلعه وأين فهمك من فهم الصحابة من كتاب الله ؟، فقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : ( لو قلت لكم ما أعلم من تفسير قوله تعالى - يتنزّل الأمر بينهن / الطلاق آيــة / 12 - لرجمتموني ولقلتم إنّي كافر ) تقله الشعراني في اليواقيت والجواهر، وإنّي أقول : ما فاتك في بعض آيات القرآن ممّا حصلته من جمع القرآن، وإلى ذلك مرمى خواص المتصوّفة الذين أنت من أعدائهم، وهذا بعض ما يتعلّق بكتاب الله، وأمّا ما يتعلّق بسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأقول : إنّ السنّة هي عبارة عمّا كان عليه الصلاة والسلام من جهة أقواله وأفعاله وأحواله، ومن جملتها أن كان نطقه حكمة، وصمته فكرة، ونظره عبرة، وفعله طاعة، وأمّا حاله فهو مع الله في كلّ حال يبيت عند ربّه يطعمه ويسقيه، وأين أنت من هذه الأخلاق الحسان، وهل تظنّ أنّ السنّة مجرد قلقلة باللسان، أم هي عبارة عن خشونة الثـوب ورقتّه ؟، كلا، إنّما هي عبارة عن متابعته عليه الصلاة والسلام في أقواله وأفعاله وأحواله .
أمّا الأقوال والأفعال فقد يتسنى التلبيس ببغضها والتظاهر بشكلها، وأمّا الأحوال فلا تكتسب إلاّ بصحبة أهل الحال المشار إليهم، وكما قيل : ( جالسوا من تذكركم بالله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله )، وبالجملة فإن السنّة عبارة عن أخلاق سنية وأحوال نبويّة، فهي مثل المغناطيس لمن وجدت فيه تجذبه إليها بالخاصيّة، كما كانت أخلاق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تجذب من حاذاه، فيتخلّق ببعض أخلاقه، كلّ من صحبه بلا شعور فلو كان لك نصيب لهذّبت الأتباع بأخلاقك ودرّبتهم بإطراقك، ونوّرت بواطنهم بإشراقك، حتى تكون الحال منك في التدريس كافية لأنّها أفصح من لسان المقال عند أهل الحال، ولكن كلّ شيء يكتسب من أهله فلو جالست أهل التصوّف أقلّ وقت من الزمان بصفة العبوديّة الخاصّة التي هي الافتقار اللازم المستفاد من قوله تعالى : ( يا أيّها الناس أنتم الفقراء إلى الله وهو الغنيّ الحميد / فاطر آية / 15 )، لأثرت فيك موعظتهم، وسرت فيك إشارتهم، وانقلبت منك الصفات ( فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات / الفرقان آية / 70 )، وما اكتسبوا تلك الأحوال السنيّة إلاّ بممارستهم السنّة النبويّة، ونهجهم نهج السلف الصالح حتى كانوا في كلّ أمّة سلفا صالحا لمن بعدهم، قال الشيخ أبو مدين الغوث رضي الله عنه في مدحهم :
قوم كرام السجايا حيث ما جلسوا + يبقى المكان على آثارهم عطرا
ثمّ إنّي استفسرك : هل تظنّ أنّ ما عليه باطنك هو ما كانت عليه أصحاب رسول الله في المعرفة الإلهيّة والأسرار الغيبيّة ؟، وإذا لضاعت الخصوصيّة في الأمّة المحمديّة إن كان المكنون من سرّ الوحي هو ما تداولته أفكار العموم، وحينئذ لا فائدة في الانقطاع إلى الله عزّ وجلّ والتوجه نحوه، وهذا لا يقول به سنيّ، إنّما الكلّ يعلم ما انطوت عليه أسرار الخصوص في الإلهيّات هو غير المتداول للعموم، ولهذا قال زين العابدين رضي الله عنه :
يا ربّ جوهر علم لو أبوح به + لقيل لي أنت ممّن يعبد الوثنا
ولاستحلّ رجال مسلمون دمي + يرون أقبح ما يأتونه حسنا
ومثل هذا ما قاله سلطان العاشقين رضي الله عنه :
وثمّ وراء النقل علم يدق عن + مدارك غايات العقول السليمة
تلقيته منّي وعنّي أخذته + ونفسي كانت من عطائي ممدتي
ولولا هذا ومثله لما احتيج لمرشد في طريق الله الذي قلت أنت بنفيه حسبما يستفاد من ذلك حيث قلت : ( أمّا قولهم من ليس له شيخ فالشيطان شيخه، المراد بالشيخ العالم العارف الذي يعلّم الناس أمور ديانتهم حتى لا يأخذ العلم عن نفسه برأيه، وليس المراد بالشيخ شيخ الطريقة الجاهل الذي أشار إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقوله : يكون أخر الزمان عبّاد جهّال وقرّاء فسقه.. . الحديـث )، فأقول : هذا من الزور، هذا في أقصى غاية التعمّق إن قلت المراد بقولهم من ليس له شيخ، فالشيطان شيخه، يعنون به الشيخ المدرّس، لأنّ الكلّ يشهد على بطلان قولك، حتى المدرّس نفسه يقول لك : يعنون بالشيخ المرشد لمعرفة الله الخاصّة الذي ينتفع المريد بصحبته، ويتهذّب بأخلاقه، فيستنير باطنه بإشراقه، الذي يجمع المريد على الله بنظرته، الشيخ الذي يخرج المريد من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، ومن نور الإيمان إلى سرّ الإيقان، ومن سرّ الإيقان إلى وقوع العيان، ومن وقوع العيان إلى فقد الأعيان، وهنالك يكون الحقّ سمعه وبصره ويده ورجله، كما في الصحيح، وهي غاية في القرب يغيب فيها العبد عن القرب في عظيم القرب، وقد يعبرون عن هذه الحالة الطيّ وبالفناء وبالتلاشي وبالاضمحلال، وغير هذا من باب اصطلاحاتهم وهي عمدة التصوّف المجهولة عندك، وبها عرف التصوّف الإمام الجنيد رضي الله عنه لما سئل عنه فقال : التصوّف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به، فقل لي : بالله عليك هل لك نصيب مما ذكرناه ؟، فأنت في تدريج لأتباعك فيما قدمناه من المقامات، فإن كنت كذلك، فتكون أنت المقصود من قولهم : ( من ليس له شيخ فالشيطان شيخه )، ولكن في ظنّي بعدك من هذا يقارب قربك من ضدّه وهو الجحود المحض، وهذا هو الذي أهمّنا من أمرك، وأمّا لو كنت تنكر وجدان من هذا نعته، لكان الأمر أسهل، فيقال لك : جدّ صدقا تجد مرشدا، وإن أردنا أن ننصحك بالخصوص، قلنا لك : فاصحبنا مدّة من الزمان ثمّ اعترض، وإن قلت بعدم احتياج المتضلّع في الظواهر لصحبة من يرشده فيما خفي عنه من المغيبات، قلنا قصّة موسى مع الخضر عليهما السلام حجّة عليك وعلى أمثالك، وفيما جمعناه كفاية لمن اهتدى : ( وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم / الأحقاف آية / 11 ) .

هذه مقتطفات ممّا جاء في هذه الرسالة من كتاب ( رسالة القول المعروف في الرد على من أنكر التصوّف ) للأستاذ الأكرم المشهور بتلقين الاسم الأعظم مولانا الشيخ الأكبر العارف بالله والدّال عليه سيدي ( أحمد بن مصطفى العلاوي المستغانمي ) رضي الله عنه، وأرضاه، وأطال بقاءه، ونفعنا به آمين.

والحمد لله رب العالمين.
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 177
العمر : 63
العمل/الترفيه : طالب علم
تاريخ التسجيل : 09/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف Empty رد: رسالة من سيدي العلاوي لكل منكر للتصوف

مُساهمة من طرف العنيد الجمعة 15 مايو 2009 - 10:26

بارك الله فيك وأثابك الجنة
العنيد
العنيد

ذكر عدد الرسائل : 56
العمر : 60
تاريخ التسجيل : 07/04/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى